أعداء النجاح

 

 

مدرين المكتومية

نعيشُ اليومَ تحت ضغوط هائلة؛ ضغوط حياتية مُتواصلة، وتفاصيل يومية صغيرة لكنها مُرهقة، يُحاول كل فرد منَّا أن يستيقظ كل صباح بأقل الخسائر النفسية الممكنة، وأن يتحمل ما حوله من إرهاق ومنغصات ليستطيع مواصلة طريقه نحو أهدافه.

ومن أكثر ما يستنزف طاقة الإنسان ويؤثر على استقراره النفسي بيئة العمل التي يقضي فيها جزءًا كبيرًا من حياته. فنجاح المؤسسات لا يُقاس فقط بالأرقام والنتائج، بل أيضًا بالطريقة التي تُدار بها العلاقات المهنية والإنسانية داخلها. فالمناصب القيادية، مهما اختلفت مستوياتها، تبقى مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون صلاحيات إدارية، ويظهر أثرها الحقيقي في قدرة المسؤول على بناء بيئة عادلة ومُحفزة، تحترم الإنسان وتُعزز الكفاءة.

وفي المقابل، نجد بعض المؤسسات تمارس سلوكيات تُضعف هذا التوازن، عندما تتحول الاعتبارات الشخصية والخلافات المهنية إلى عوامل تؤثر في القرارات اليومية وطبيعة التعامل مع الموظفين. فالمشكلة ليست في وجود ضغوط العمل بحد ذاتها، بل في كيفية إدارة هذه الضغوط، ومدى ارتباطها بالعدالة والشفافية واحترام الإنسان.

بحكم دراساتي العُليا، فإنَّ أغلب كتب القيادة الحديثة أجمعت على أنَّ الإدارة الناجحة لا تقوم على التضييق والتخويف، بل على الثقة المتبادلة ووضوح المعايير؛ فالموظف عندما يشعر بأن جهده محل تقدير واهتمام، يُدرك تلقائيًا أن فرص الإنجاز والتطور متاحة وفق معيار الكفاءة، فيبذل المزيد من العطاء والانتماء، لأنه يشعر بمسؤولية حقيقية تجاه المؤسسة، خصوصًا عندما يجد التحفيز والتقدير لعمله.

أما حين تصبح بيئة العمل غير مستقرة، ويغيب فيها الشعور بالإنصاف والأمان المهني، فإنَّ ذلك ينعكس تدريجيًا على جودة الأداء والإنتاجية، بل ويتحول إلى سبب مباشر في خلق بيئة عمل متوترة وغير صحية.

ومن الضروري في أي مؤسسة التمييز بين الإدارة الحازمة والإدارة غير المؤهلة؛ فكثير من الممارسات قد تُفهم على أنها تهميش للكفاءات أو إقصاء لها، بينما القائد الواثق من نفسه لا يرى في الكفاءات تهديدًا، بل يعتبرها عناصر قوة تسهم في نجاح المؤسسة واستمرارها. كما إن اختلاف الآراء يجب أن يُنظر إليه كفرصة للتطوير وتحسين الأداء، لا كمصدر إزعاج أو تهديد.

والعدالة الإدارية ليست مجرد قيمة معنوية، بل عنصر أساسي لاستدامة نجاح أي مؤسسة. أما المؤسسات التي تقدم المجاملات والعلاقات الشخصية على حساب الكفاءة والجودة، فهي غالبًا أول من يُواجه أزمات الثقة وضعف الأداء وتراجع الإنتاجية، لأنها تخلت عن أهم مبادئ القيادة: العدالة.

وما يغيب عن بعض المسؤولين أن المناصب مؤقتة، وليست ملكًا دائمًا أو إرثًا شخصيًا. إنها فرصة لإثبات القدرة على الاحتواء، وتقدير جهود الآخرين، وصناعة أثر إنساني يبقى بعد الرحيل. فالمسؤول يُذكر دائمًا بما تركه من احترام وعدالة وأثر طيب بين الموظفين، لا بحجم النفوذ الذي امتلكه.

وفي كثير من الأحيان، تكون كلمة "شكرًا" هي السحر الحقيقي داخل أي مؤسسة ناجحة.

يجب أن نعلم جميعًا أنَّ بيئة العمل الصحية لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالممارسات اليومية المستمرة وبالاحترام وتكافؤ الفرص، وتجنب صناعة العداوات، ومنح الجميع حقهم بعدالة وإنصاف؛ إذ إنَّ المؤسسة القوية لا تُدار بالخوف، ولا تنهض بالإقصاء، ولكن تُبنى على الثقة والكفاءة والعدل.

إنَّ أعداء النجاح كثر، ويزداد عددهم حين يتوهم بعض القادة أن الكرسي ملكية خاصة، فيتصرفون وكأنَّ كل شيء خاضع لسلطتهم المُطلقة، متناسين أنَّ القيادة الحقيقية تُقاس بحجم الأثر الطيب الذي يتركه القائد في نفوس العاملين معه، بصرف النظر عن سرعة الإنجاز.

وفي النهاية، يبقى الإنسان أسير طبعه؛ فمن امتلأ داخله بالمرارة، رأى كل شيء جميلًا بصورة قبيحة، أو كما قال أبو الطيب المتنبي:

ومن يكُ ذا فمٍ مُرٍّ مريضٍ

يجدْ مُرًّا به الماءَ الزلالا

الأكثر قراءة

z