خالد بن سعد الشنفري
"أوراق لن تسقط من الشجرة"، هكذا عنون معالي المستشار محمد بن الزبير كتابه الجديد ليحدثنا عن "مذكرات طالب عُماني في الكويت (1954-1961)"، ولم يخص نفسه بالذكر كأن يقول مذكراتي منذ العتبات الأولى بالغلاف الخارجي، حرصًا منه على أن تكون شهادته عامة تشمل كل من التحق بالكويت في تلك الحقبة الزمنية. فطرح الكلام بعضه ببعض، وعرض لنا ورقات خلدت في شجرة الاعتزاز والفضل بأسلوب تأملي هادئ يُعيد للمكان حيويته ويحيي الذاكرة وينعش الوجدان، ويأخذنا في رحلة إلى مرحلة مبكرة جدا من شبابه، إلى ما قبل سبعين عاما.
حقيقة سعدتُ وتشرفت بمقابلة معاليه بعد أن استضافني مشكورًا في بيته العامر، ونلتُ شرف إهدائه إصداري الثالث كتاب "ظفار.. ذاكرة مكان وزمان"، ولكم كنتُ محظوظًا بإهدائه لي كتابه الجديد "أوراق لن تسقط من الشجرة" الذي لامسني كثيرًا، وللأمانة لا يبدو هذا الكتاب ككتاب مذكرات عادي؛ بل بدا كنافذة تُفتح ببطء على زمنٍ كانت فيه التفاصيل الصغيرة أكثر دفئًا مما هي عليه اليوم. حيث إنَّ المؤلف في هذا الكتاب لا يستعيد سنوات الدراسة في الكويت فقط؛ إنما يستعيد الإنسان الذي كانه يومًا، والأمكنة التي غرست بصمتها في روحه قبل أن يغادرها، وزمان يُعتبر قاسما مشتركا بينه وبين كل من التحق بالكويت لطلب العلم في تلك الفترة.
تبدو الذاكرة في هذا الكتاب كبحر هادئ لا يصرخ؛ لكنه يُعيد للشاطئ أشياء ظنَّ أصحابها أنها قد عانقت الأعماق، ورستْ في طيات الزمن تحاكي الظلمات والنسيان. الأصدقاء، رائحة الفصول الدراسية، الدهشة بكل جديد، رسائل الأهل، ولهفة الغربة الأولى.. كلها تظهر دون تكلف، وكأنَّ الكاتب لا يرويها للقارئ؛ بل يهمس بها لنفسه.
وكما أسلفتُ أعلاه، إن العنوان بذاته جدير بأن يحمل روح الكتاب "أوراق لن تسقط من الشجرة" ليست أوراقًا حقيقية؛ بل أعمار صغيرة بقيت معلقة في القلب، عصية على النسيان. كأنَّ محمد بن الزبير يقول بأن بعض الذكريات لا تهرم، بل تزداد خضرة كلما ابتعد الزمن. وما يميز النص أيضًا أن الحنين فيه ليس بكاءً على الماضي؛ بل مصالحة معه. فلا يقدم الزمن القديم باعتباره زمنًا مثاليًا، وإنما باعتباره جزءًا من التكوين الإنساني؛ المرحلة التي صنعت الوعي الأول، والدهشة الأولى، والانكسارات الأولى أيضًا. ولعل أكثر ما يُميز الكتاب بأنه يميل إلى الصدق الهادئ أكثر من البلاغة الصاخبة، وهو ما يجعله جديرا بأن يوصل المعلومة بسهولة إلى القارئ، ولعل ذلك يعود إلى أن كل ما كُتب من القلب غالبًا ما يعرف طريقه إلى القلوب الأخرى.
حقيقة، حديثه عن التكوين الأول ونهم المعرفة والكنز الذي وقع عليه في مجلة العربي الفصلية الثقافية المُتكاملة التي كانت تصدر من الكويت ذكرني ذلك بأوَّل مرة تقع في يدي هذه المجلة الكنز الثقافي عام 1971م؛ حين أحضر لي والدي رحمة الله عليه والذي كان يعمل في الكويت في تلك الحقبة كرتونة بها 20 عددًا منها؛ حقاً كانت السبب في فتح شهيتي على القراءة رغم حداثة سني، وولعي بها فيما بعد.
ويبرز الكتاب النشاطات المتنوعة والمتعددة للطالب محمد بن الزبير الطلابية بالكويت في خمسينيات القرن المنصرم في مجالات شتى؛ ثقافية واجتماعية ورياضية وفنية شملت التصوير والرسم والتمثيل والغناء؛ مما أتاح له اللقاء برموز ثقافية وفكرية عربية تُشيد بمسمى الكويت في تلك الفترة (الكويت بلاد العرب). ولقد عزز القيل والذكر بصور خلدتها عدسات كاميرته الفوتوغرافية في أزمان قد غبرت؛ فرصع بها الكتاب مستشهدا بها ويعيد إحياء اللحظات الجللة.
ولقد حزَّ في نفسي أن الكتاب للأسف لا يعرض للبيع في المكتبات؛ بينما يوزع فقط عن طريق مؤسسة بيت الزبير للثقافة. ونظراً لما لامست فيه من أهمية، رجوتُ معاليه أن يتم عرضه في المكتبات ولو بسعر رمزي؛ كي يتسنى للشباب اقتناؤه والاستفادة منه. لكنه أسعدني بما زفه لي من بشرى وجود مشروع امتدادا لمشاريع بيت الزبير الثقافية يتم إعداده حاليًا للتنفيذ. وفق الله أبا رشاد وسدد خطاه وأمد في عمره، ليكمل ما يصبو إليه لخدمة الفكر والتراث والثقافة في عُماننا الحبيبة.
