حسين الراوي
هذا باختصار شديد عن فضل يوم عرفة، وللصالحين فيه مواقف عظيمة لا تُنسى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من يومٍ أكثرُ من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يُباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء». السلسلة الصحيحة
كان حكيم بن حزام رضي الله عنه يقف بعرفة ومعه مئة بدنة مقلدة، ومئة رقبة - أي من العبيد الأرقاء - فيُعتق رقيقه، فيضج الناس بالبكاء والدعاء، ويقولون: ربنا هذا عبدك قد أعتق عبيده، ونحن عبيدك فأعتقنا من النار.
وقال عبدالله بن المبارك: جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه، وعيناه تذرفان الدمع، فالتفت إليّ، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالًا؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر له. لطائف المعارف.
ووقف مطرّف وبكر ابنا عبدالله بن الشخير رضي الله عنهما في الموقف، فقال مطرّف: «اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي»، وقال بكر: «ما أشرفه من مقامٍ وأرجاه لأهله، لولا أني فيهم».
ويروى أن عمر بن عبدالعزيز حج بالناس، فلما نظر إليهم بعرفة قال: «اللهم زد في إحسان محسنهم، وتجاوز عن مسيئهم، وراجع بمسيئهم إلى التوبة برحمتك، اللهم أهلك من كان في هلاكه صلاحًا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأصلح من كان صلاحًا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وحُطهم من ورائهم بالرحمة».
وقال الفضيل بن عياض لشعيب بن حرب بالحج: «إن كنت تظن أنه شهد الموقف أحدٌ شرٌّ مني ومنك فبئس ما ظننت».
وكان أبو عبيدة الخواص يقول في يوم عرفة: «واشوقاه إلى من يراني ولا أراه». وكان الخواص بعدما كبر يأخذ بلحيته ويقول: «يا رب، قد كبرتُ فأعتقني».
قال الإمام الأوزاعي: أدركت أقوامًا كانوا يُخبئون الحاجات ليوم عرفة ليسألوا الله بها.
ولقي الحسين بن علي قومًا حجاجًا، فقالوا: إنا نريد مكة، فقال: إنكم من وفد الله، فإذا قدمتم مكة فاجمعوا حاجاتكم فسلوها الله.
وعن سفيان الثوري أنه قال لمن سأله حين دفع الناس من عرفة إلى المزدلفة عن أخسر الناس صفقة - وهو يعرض بأهل الفسق والظلمة - فقال: «أخسر الناس صفقة من ظن أن الله لا يغفر لهؤلاء».
ورُوي عن الفضيل بن عياض أنه نظر إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة، فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقًا - يعني سدس درهم - أكان يردهم؟ قالوا: لا والله، قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل بدانق، ثم أنشد بعدها:
وإني لأدعو الله أطلب عفوه
وأعلم أن الله يعفو ويرحم
لئن أعظم الناس الذنوب فإنها
وإن عظمت في رحمة الله تصغر
وقال صاحب المغني: وروينا عن سفيان الثوري أنه قال: سمعت أعرابيًا، وهو مستلقٍ بعرفة، يقول:
إلهي، من أولى بالزلل والتقصير مني وقد خلقتني ضعيفًا، ومن أولى بالعفو عني منك، وعلمك فيّ سابق، وقضاؤك بي محيط، أطعتك بإذنك والمنّة لك، وعصيتك بعلمك والحجة لك، فأسألك بوجوب حجتك عليّ، وانقطاع حجتي، وفقري إليك، وغناك عني، إلا ما غفرت لي.
في النهاية… اللهم تقبل من الحجاج تعبهم ودعاءهم وكل ما قدموا لوجهك الكريم، وتقبل صيام كل من صام يوم عرفة.
