منصة «تجاوب».. بين سرعة الرد وكفاءة الحل

 

 

 

ناصر بن سلطان العموري

nasser.alamoori@gmail.com

حينما أُعلن عن تدشين المنصة الوطنية الموحدة "تجاوب" منذ قرابة سنة ونيف، وتحديدًا في فبراير 2025، لم تكن الخطوة مجرد تحديث تقني في مصفوفة التحول الرقمي، بل كانت بمثابة إعلان عن مرحلة جديدة من "المكاشفة الإدارية" قُدمت المنصة كجسرٍ تقني يربط تطلعات المواطن بقرار المسؤول، مستندة إلى طموحات رؤية "عُمان 2040" في خلق جهاز إداري مرن، شفاف، ومسؤول.

ومنذ تدشينها، سجلت المنصة أكثر من 1.7 مليون زيارة و629 ألف مستخدم نشط حتى نهاية يناير من هذا العام، وأكثر من 219072 طلبًا مقدمًا للمنصة، حتى وقت كتابة هذا المقال؛ مما يعكس الاعتماد المتزايد عليها كقناة تواصل فعالة بين المواطن والحكومة.

ومع مرور الوقت بدأ يتكشف واقع يشير إلى أن المنصة قد تنحرف عن مسارها الرقابي لتتحول من أداة "تصحيحية" إلى "شماعة إدارية"؛ إذ إن القيمة الجوهرية لأي منصة تواصل حكومي تكمن في قدرتها على "تفكيك" التعقيد، لا "ترحيله"، غير أنه من الملاحظ في الممارسة اليومية أن بعض الجهات بدأت تستخدم "تجاوب" كذريعة لإخلاء المسؤولية المباشرة؛ فالمُراجِع الذي يتواصل مع الجهة الحكومية باحثًا عن حل، يُجابه بعبارة "قدِّم في تجاوب". وهذا السلوك ليس إلّا "نفورًا إداريًا"؛ حيث تُحوَّل المعاملة التي قد تُنجز بقرار لحظي إلى رقم إلكتروني يسبح في فضاء الانتظار، وهنا المنصة لم تعد "خيارًا إضافيًا" للتسهيل؛ بل أصبحت "ملاذًا" لبعض الجهات الحكومية للتنصل من المواجهة المباشرة.

المشهد المتكرر في ردهات المؤسسات الحكومية- رغم الربط المركزي الذي يجمع أكثر من 54 جهة حكومية تحت سقف المنصة- يعكس خللًا في فهم دورها، كما أن "الزحام المفتعل" بالطلبات الروتينية تسبب في إغراق المنصة بتفاصيل هامشية؛ مما قد يحجب القضايا الكبرى والمقترحات النوعية التي صُممت المنصة لتعالجها بعمق، ويجعل الإنجاز يُقاس بعدد "الطلبات المغلقة" تقنيًا لا بحجم "المشكلات المحلولة" واقعيًا.

وفى الجانب المقابل، يبرز تحدي "الردود المُعلَّبة" التي تقتل روح الغاية من المنصة؛ حيث إن النظام عندما يسجل إغلاق الطلب بنسبة نجاح عالية لا يعني بالضرورة أن المشكلة قد حُلّت واقعيًا، كما إن الاكتفاء بردود بيروقراطية من قبيل "جاري الدراسة" دون سقف زمني، يُحوِّل "تجاوب" من منصة "تغيير" إلى منصة "امتصاص للغضب"، وهو ما قد يؤدي تدريجيًا إلى تآكل الثقة وتحولها في نظر المواطن إلى مجرد "بريد مهمل" لا يغير من الواقع شيئًا.

ولكي تستعيد "تجاوب" مسارها كأداة رقابية وتطويرية، يجب فك الارتباط بينها وبين "الخدمات الروتينية" التي هي من صلب عمل المؤسسات اليومي يجب أن يعود الوعي بأن "تجاوب" هي منصة "للتصعيد" عند التعثر، و"للبلاغ" عند التقصير، و"للمقترح" عند الطموح.

ولاستعادة بوصلة المنصة، لا بُد من تبنِّي حزمة من الحلول الجذرية التي تعيد ترتيب الأولويات؛ أولها: فرض نظام "الفلترة الذكية" الذي يمنع قبول الخدمات الروتينية التي تقع ضمن مهام الموظف المباشرة، لتبقى المنصة مخصصة حصرًا للبلاغات الجادة والمقترحات النوعية. وثانيًا: باتت الحاجة ملحة لتدشين "وحدة تدقيق الجودة"، وهي جهة رقابية مستقلة لا تقيس "سرعة الرد" بل "كفاءة الحل" وتملك سلطة إعادة فتح الطلب إذا تبين أن رد الجهة الحكومية كان "إنشائيًا" أو غير مكتمل. ثالثًا: لا بُد من تفعيل "نظام تصعيد مرن" يمنح المواطن حق الاعتراض التقني الذي يرفع الطلب تلقائيًا إلى مستوى إداري أعلى في حال عدم الاقتناع بالرد، مما يجبر المؤسسات على تقديم حلول حقيقية لا مسكنات رقمية.

ولكي تستعيد "تجاوب" الحاصلة على شهادة (ISO 37301) هويتها، يجب ألّا تكون بديلًا عن الدور الميداني للجهات؛ فالمسار الطبيعي يقتضي أن تظل المنصة هي "الملجأ الأخير" عند تعثر المعاملة أو لتقديم مبادرات تسهم في مستهدفات رؤية "عُمان 2040".

إنَّ "تجاوب" مشروع وطني رائد، وحمايته من "الترهُّل الرقمي" مسؤولية مشتركة؛ فالهدف من الرقمنة هو أنسنة الخدمات وتسهيل حياة البشر، لا بناء جدران إلكترونية عازلة، كما إننا بحاجة إلى استعادة "روح الخدمة" داخل المؤسسات، لتكون "تجاوب" هي العين المؤتمنة التي تراقب الأداء العالي، لا الشماعة التي تُعلَّق عليها خيبات المراجعين خلف الستار الرقمي.

الأكثر قراءة

z