سقوط العنجهية الإسرائيلية

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

لطالما سارت الإمبراطوريات والكيانات السياسية في التاريخ على خط بيانيّ صاعد، يبلغ ذروته عندما تظن أن قوتها العسكرية الغاشمة قادرة على تطويع الجغرافيا وقهر حتميات التاريخ. لكن التاريخ نفسه يُعلمنا أن لحظة "الزهو المطلق بالقوة" هي ذاتها نقطة التحول نحو الانحدار.

واليوم، يعيش الكيان الإسرائيلي هذه اللحظة الوجودية الحرجة؛ حيث تتلاقى الغطرسة العسكرية لليمين المتطرف مع تنامي الرفض الدولي، لتضع المشروع الصهيوني برمته أمام معضلة التآكل الداخلي والعزلة الخارجية.

تجلَّت هذه العنجهية بأوضح صورها في الحادثة التي شهدناها مؤخرا، عندما واجه وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن جفير، المتطرف والمزهو بالسلطة، الناشطين السلميين في "أسطول الصمود". لم تكن هذه المواجهة مجرد حدث عابر أو احتكاك ميداني؛ بل كانت تكثيفًا رمزيًا للصراع بأكمله: بن جفير، الذي يمثل النسخة الأكثر فجاجة وتطرفًا للصهيونية الدينية الحاكمة، يقف متسلحًا بأدوات القمع والإنكار، وفي المقابل يقف "أسطول الصمود" كجسد رمزي يمثل ضمير الرأي العام العالمي، المدفوع بقيم العدالة الإنسانية والقانون الدولي.

سلوك بن جفير تجاه ناشطي الأسطول هو نتاج طبيعي لنهج اليمين المتطرف الذي يعتقد أن "ما لا يُحل بالقوة، يُحل بمزيد من القوة". هذه العقلية الاستعلائية باتت تُمثل العقد الاجتماعي الجديد داخل إسرائيل؛ حيث يتغذى النظام الحاكم على تعميق الفصل العنصري، وممارسة التنكيل اليومي بالفلسطينيين في الداخل والضفة وغزة، والاندفاع نحو مغامرات عسكرية إقليمية غير محسوبة مع الجيران ومع إيران.

هذا التفرد والتطرف لم يعد يُهدِّد الفلسطينيين وحسب؛ بل فكك الجبهة الداخلية الإسرائيلية؛ فالشرخ الاجتماعي بين التيارات العلمانية الصهيونية واليمين الديني المتطرف يتسع بشكل غير مسبوق حول قوانين التجنيد وشكل الدولة، مما ينذر بانهيار "العقد الاجتماعي" من الداخل.

لكن خطورة هذه العنجهية على الكيان نفسه تكمن في كونها تعجل بقطع شريان الحياة الأهم لاستمراره: "الشرعية الأخلاقية والدولية"؛ فخلال المراحل التاريخية الماضية، حظيت إسرائيل بمظلة حماية غربية بُنيت على أكذوبة "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" وأكذوبة "الضحية المستهدفة". واليوم، بفضل سلوكيات قادتها من أمثال بن جفير، تحطمت هذه السرديات تمامًا وتحولت الإدانات السياسية إلى "حصار قانوني شامل" غير مسبوق لنزع الحصانة عن أركان الكيان وقادته.

يتكامل هذا الحصار القانوني عبر مسارين حاسمين: الأول تقوده محكمة العدل الدولية (ICJ) التي تنظر في دعوى الإبادة الجماعية التاريخية، وتفرض تدابير احترازية ملزمة، إلى جانب رأيها الاستشاري القاطع بعدم شرعية الاحتلال والاستيطان في الأراضي الفلسطينية.

والمسار الثاني تتولاه المحكمة الجنائية الدولية (ICC) التي أصدرت رسميًا مذكرات اعتقال دولية بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف ججالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مما يُلزم 124 دولة عضو بموجب ميثاق روما بتوقيفهم فورًا. هذه الملاحقات الجنائية تمتد اليوم لتطوق وجوه التطرف الحاكم مثل بن جفير وسموتريتش لاتهامهم المباشر بالتحريض، ومنع المساعدات، وتصفية العمل الإنساني لوكالات الأمم المتحدة (الأونروا).

والمقارنة بين الكيان الإسرائيلي والإمبراطوريات البائدة تكشف عن مفارقة جوهرية؛ فالإمبراطوريات القديمة كانت تحكم شعوبًا شاسعة دون أن تسعى لتبديلها، وعندما سقطت تلك الأنظمة بقيت الأرض لأصحابها. أما إسرائيل، فتقوم على فكرة "الاستعمار الإحلالي"، أي محاولة اقتلاع شعب وإحلال آخر مكانه بناءً على سرديات "الوطن الموعود" قبل آلاف السنين. ومع ذلك، وبعد عقود من القمع والحروب، أثبت الواقع الديموغرافي بين النهر والبحر استحالة حسم هذا الصراع عسكريًا؛ فالشعب الفلسطيني لا يزال متجذرًا في أرضه، مما يجعل الاستمرار في هذا النهج "قنبلة ديموغرافية موقوتة" تهدد بقاء الهوية الصهيونية للدولة.

في الختام.. إنَّ مشهد بن جفير وهو يستعرض قوته أمام ناشطي أسطول الصمود، يختزل البداية الحتمية لـ"سقوط العنجهية"؛ فالقوة العسكرية المتطورة، والدعم الغربي المطلق، قد يضمنان بقاءً مؤقتًا أو تفوقًا تكنولوجيًا، لكنهما عاجزان عن منح "الشرعية الدائمة" أو تحقيق "الأمن المطلق" في محيط يرفض هذا الكيان البنيوي؛ فالتاريخ لا يرحم الكيانات التي تعتمد على البطش دون أفق سياسي. وعندما ينفض التعاطف الدولي، وتُلاحق القيادات دوليًا كمطاردين فارين من العدالة، وتصطدم الغطرسة بصمود الأرض وأصحابها، فإن "الوطن الموعود" يتحول تدريجيًا إلى وَهْمٍ يتبدد تحت أقدام حتمية التاريخ، لتسقط العنجهية وتبقى الأرض لأصحاب الحق.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z