حين يكفي القليل

 

ريم الحامدية

reem@alroya.info

كنت مدعوة لحضور حفل في أحد أرقى المُنتجعات في عُمان، حيث كل شيء يصاغ بعناية ليبدو كاملا، الإضاءة، تنسيق المكان، الحضور، وحتى التفاصيل الصغيرة التي لا تترك للصدفة، كل شيء بدأ هناك كالصورة التي نُحب أن نظهر بها الحياة، بدأت الأمسية وكأنَّها نسخة مثالية من الرفاهية كما نتصورها، أناقة في كل زاوية، وهدوء محسوب وأحاديث تمضي بسلاسة لا يقطعها شيء كل شيء كان صحيحًا إلى الحد الذي لا يُمكن الاعتراض عليه.

كنت بين الحضور، لا ينقصني شيء مما يُقاس به الكمال الظاهري، ومع ذلك كان هناك شعور خافت يتسلل بين اللحظة والأخرى، شعور لا يُفسَّر بسهولة، لكنه يُثقل الروح على نحو غريب. لم يكن المكان ناقصًا، بل كان الشعور زائدًا عن حاجته.

في تلك اللحظة، أدركتُ أنَّ الكمال الذي يُعرض أمامنا قد يكون- أحيانًا- عبئًا خفيًا، لأننا نُحاول أن نلائم أنفسنا معه، بدل أن يكون هو مساحةً تتسع لنا.

غادرت المكان بعد ساعة ونصف الساعة من حضوري، وفي طريق عادي، بلا تخطيط ولا نية مُسبقة، وجدت نفسي في مكان لا يحمل أي صفة استثنائية، وجدتني مع الرفيق الذي أشاركه أيام الأسبوع في ضوء هادئ، ووجبة لا تحتاج إلى وصف.

هناك حدث كل شيء، لا لأنَّ المكان تغيّر، بل لأنَّ الشعور تغيّر.

جلسنا كما نحن، بلا مُقدمات، بلا تصنّع، بلا حاجة لأن نكون أكثر مما نحن عليه، ضحكنا دون أن نحسب كيف تبدو ضحكاتنا، وتحدثنا دون أن ننتقي كلماتنا، وشعرنا للمرة الأولى في ذلك المساء بلا مبالغة بأننا في مكان يتّسع لصدقنا، لا لمظهرنا.

كانت وجبة عادية لكنها كانت كافية، كافية لأن تُعيد ترتيب الداخل، لا الخارج.

وهنا، تبدأ المفارقة التي نغفل عنها كثيرًا: لسنا بحاجة إلى المزيد لنشعر، بل إلى القليل لنكون؛ فالبساطة ليست نقصًا كما يُروج لها، وليست خيارًا اضطراريًا حين تضيق الخيارات، بل هي في جوهرها وعي مُختلف بالحياة، وعي يدرك أن القيمة لا تُقاس بما يُرى، بل بما يُحس، وأن الراحة ليست نتيجة لما نملك، بل لما نتخفف منه.

نحن، في سباقنا غير المعلن، نُرهق أنفسنا بمحاولة الوصول إلى صورة مثالية للحياة، صورة ترضي أعين الآخرين أكثر مما تُرضي قلوبنا، نُضيف إلى أيامنا ما يكفي من الضجيج لنشعر أننا نعيش كما ينبغي، ثم نتساءل في نهاية اليوم: لماذا لا نشعر بالراحة ربما؟

لأن الراحة لا تأتي من الخارج، ولا تصنع في الأماكن التي تُتقن الإبهار، في تلك الليلة، لم أكتشف أن البساطة أجمل من الترف، فالمقارنة هنا ليست عادلة.

لكنني اكتشفت أنَّ ما يشبهنا لا يحتاج إلى كل هذا التعقيد، وأنَّ الأشياء التي تلامسنا حقًا لا تُحدث ضجيجًا.

ومنذ ذلك المساء، تغيرت فكرة أخرى بداخلي أو ربما نسميها قناعة، بأن لا نضطر للبحث عن اللحظات الكبيرة، ولا عن التفاصيل التي تُبهر الآخرين، بل يجب أن ننتبه أكثر لتلك اللحظات الصغيرة التي تمرّ بلا إعلان، لكنها تترك أثرًا لا يُمحى.

لقد أدركت أنَّ الامتلاء الحقيقي لا يأتي من كثرة ما نملك، بل من قلة ما نحتاج، وأنَّ الحياة، في جوهرها، ليست معادلة معقدة كما نحاول أن نجعلها، بل فكرة بسيطة جدًا، نحن من يثقلها، ثم نبحث عن طريقة للنجاة منها.

ربما لهذا، حين نجلس في مكان عادي، مع أشخاص حقيقيين، ونضحك بلا سبب، نشعر فجأة أننا بخير، ليس لأنَّ كل شيء أصبح مثاليًا، بل لأننا سمحنا للحظة أن تكون كما هي!

الأكثر قراءة

z