اقتصاد الحرب: حين تصبح الكلفة هي المعركة (2- 9)

 

 

 

عبيدلي العبيدلي **

وفي ضوء هذه التفاعلات، يصبح من الضروري إعادة تعريف مفهوم الكلفة الاقتصادية للحرب، بحيث لا يقتصر على الإنفاق العسكري المباشر، بل يشمل أيضًا التكاليف غير المباشرة والنظامية التي تنتج عن الصراع.

وقد بيّن العديد ممن تناولوا هذه المسألة أن الكلفة الحقيقية للحروب غالبًا ما تكون أعلى بكثير من التقديرات الرسمية، بسبب تراكم التكاليف المرتبطة بارتفاع الدين العام، وتعطّل الإنتاج، وتراجع الاستثمار، وهو ما يجعل من الصعب حصر الكلفة في أرقام محددة. وبالاستناد إلى هذا الإطار، يمكن تقدير الكلفة الاقتصادية الإجمالية للحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران ضمن نطاق يتراوح بين 300 و500 مليار دولار سنويًا، وهو تقدير يعكس الطبيعة المركّبة للصراع؛ حيث تتداخل الكلفة المباشرة مع الكلفة غير المباشرة والنظامية.

غير أن الأهمية التحليلية لا تكمن فقط في حجم هذه الكلفة، بل في كيفية توزيعها بين الأطراف المختلفة، وفي قدرة كل طرف على تحمّلها دون أن يؤدي ذلك إلى اختلال توازنه الاقتصادي. وهنا يبرز مفهوم "القدرة على امتصاص الكلفة"، الذي يمكن فهمه بوصفه دالة في حجم الاقتصاد ومرونة النظام المالي وطبيعة البنية الإنتاجية. تشير أعمال إلى أن الاقتصادات الكبيرة والمتنوعة تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، حتى في حال ارتفاع الكلفة المطلقة، في حين تواجه الاقتصادات الأصغر أو الأقل تنوعًا ضغوطًا أكبر حتى مع كلفة أقل نسبيًا. وبعبارة أخرى، فإن الكلفة المطلقة لا تعكس بالضرورة حجم الضغط الاقتصادي، بل يجب النظر إلى الكلفة النسبية مقارنة بحجم الاقتصاد وقدرته على التكيف.

هذا التفاوت في القدرة على التحمل يمثل مفتاحًا لفهم ديناميات الحرب؛ حيث لا تُحدد النتائج فقط بقدرة الأطراف على إلحاق الضرر، بل بقدرتها على تحمّل الأضرار الناتجة عن الصراع. وبهذا المعنى، تتحول الحرب إلى اختبار لقدرة الاقتصادات على الصمود تحت الضغط، وليس مجرد مواجهة عسكرية. وقد أشار إلى أن الحروب الحديثة تُحسم غالبًا على أساس القدرة الاقتصادية؛ حيث تتمكن الدول ذات الموارد الاقتصادية الأكبر من الاستمرار لفترات أطول، حتى في حال تكبدها خسائر كبيرة.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري النظر إلى الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران بوصفها عملية إعادة توزيع للكلفة الاقتصادية على مستوى النظام الدولي؛ حيث تتحمل الدول المختلفة أعباء متفاوتة بحسب موقعها الاقتصادي. فالدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة، تستطيع امتصاص الكلفة عبر أسواقها المالية العميقة وقدرتها على الاقتراض، في حين تواجه الدول ذات الاقتصادات المحدودة ضغوطًا أكبر، قد تؤدي إلى اختلالات هيكلية. أما الدول غير المشاركة مباشرة في الحرب، مثل دول الخليج، فتتحمل كلفة غير مباشرة عبر اضطراب الأسواق وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.

ومن هنا، يمكن القول إن هذه الحرب لا تعيد فقط تشكيل التوازنات العسكرية، بل تعيد أيضًا تشكيل التوازنات الاقتصادية؛ حيث يصبح توزيع الكلفة عاملًا حاسمًا في تحديد مآلات الصراع. وفي هذا الإطار، لم يعد السؤال الأساسي هو من ينتصر عسكريًا، بل من يستطيع تحمّل الكلفة الاقتصادية للحرب لفترة أطول دون أن يؤدي ذلك إلى اختلال توازنه الداخلي. وهذا التحول في طبيعة الحروب يعكس تغيرًا أعمق في بنية النظام الدولي؛ حيث أصبحت القوة الاقتصادية، وليس العسكرية فقط، هي العامل الحاسم في تحديد النتائج.

إذا كان الإطار العام قد بيّن أن الكلفة الاقتصادية للحرب تتحدد بقدرة الاقتصادات على امتصاص الصدمات، فإن الانتقال إلى تحليل الحالات الفردية يكشف تباينات حادة في طبيعة هذه القدرة وحدودها. ففي حالة الولايات المتحدة، يبدو للوهلة الأولى أن الكلفة الاقتصادية للحرب تظل ضمن حدود يمكن استيعابها بسهولة، وذلك بحكم الحجم الضخم للاقتصاد الأمريكي، الذي يتجاوز ناتجه المحلي الإجمالي 27 تريليون دولار. غير أن هذه القراءة، على الرغم من صحتها من حيث المؤشرات الكلية، تخفي تحتها ديناميات أكثر تعقيدًا تتعلق بطبيعة انتقال الكلفة داخل الاقتصاد، وبكيفية تفاعلها مع المتغيرات المالية والنقدية.

تُقدَّر الكلفة المباشرة للحرب بالنسبة للولايات المتحدة ضمن نطاق يتراوح بين 50 و100 مليار دولار سنويًا، وهو ما يمثل نسبة تقل عن نصف نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي. هذه النسبة، بالمقاييس التقليدية، لا تشكل عبئًا حاسمًا على اقتصاد بحجم الاقتصاد الأمريكي. غير أن التركيز على الكلفة المباشرة وحدها يؤدي إلى التقليل من شأن التأثيرات غير المباشرة، التي تنتقل عبر قنوات متعددة، تبدأ بأسعار الطاقة ولا تنتهي عند أسواق الدين.

لقد أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة ملحوظة في تكاليف الإنتاج والنقل، وهو ما انعكس في ارتفاع معدلات التضخم بنحو يتراوح بين 0.5 و1 نقطة مئوية. ورغم أن هذه الزيادة تبدو محدودة نسبيًا، فإنها تكتسب أهمية كبيرة في سياق اقتصاد كان يسعى أصلًا إلى احتواء ضغوط تضخمية متراكمة. وقد ترتب على ذلك أن الاحتياطي الفيدرالي وجد نفسه مضطرًا إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعًا، وهو ما أدى إلى ارتفاع كلفة الاقتراض على الشركات والأفراد، وتراجع نسبي في وتيرة الاستثمار.

وتتعمق هذه الآثار حين ننتقل إلى المالية العامة. فتمويل الحرب، حتى وإن كان ضمن حدود يمكن استيعابها، يتم في الغالب عبر الاقتراض، وهو ما يضيف إلى عبء الدين العام، الذي تجاوز بالفعل 120% من الناتج المحلي الإجمالي. إن هذه الزيادة لا تشكل خطرًا فوريًا على الاستقرار المالي الأمريكي، لكنها تفرض قيودًا على السياسة المالية في المستقبل؛ حيث تزداد حصة الإنفاق المخصصة لخدمة الدين، على حساب الإنفاق الاستثماري أو الاجتماعي.

****************

** تنويه: الكاتب استعان بمجموعة من برمجيات الذكاء الاصطناعي وخوارزمياتها، إضافة إلى محركات البحث، من بين الأهم فيها:

https://chatgpt.com

https://www.perplexity.ai/

https://gemini.google.com

https://www.copilot.com/

https://www.genspark.ai

** خبير إعلامي

الأكثر قراءة

z