أين نحن الآن؟

 

 

 

ريم الحامدية

reem@alroya.info

 

وقفتُ اليوم أمام بياض الورقة، لا لأمارس روتين الكتابة المعتاد، ولا لأُعبِّر عن فكرة كما أفعل دائمًا؛ بل وجدتني هناك، عالقةً في المسافة الفاصلة بين سكون الورق واتساع السؤال، وكأن الكلمات والأفكار هذه المرة لم تكن تبحث عن موضوع خارجي، بل كانت تبحث عني أنا والكثير منكم.

وقتذاك، تسلل إليَّ سؤال عميق، وأقسى من أن يُختصر بكلمات بسيطة: فيما أفنينا أعمارنا؟ وعلى أي ضفاف بعيدة تركنا أنفسنا ومضينا دون أن نلتفت؟

لم يكن سؤالي عن الوقت الذي نعدّه بالساعات والأيام، بل عن ذلك المعنى الذي يتدفق من بين أصابعنا ونحن غارقون في صخب الحياة.. عن تلك السنوات التي نعيشها بكامل تفاصيلها الروتينية، ثم نكتشف فجأةً -وبكثير من الذهول- أننا لم نعشها حقًا كما كانت تشتهي أرواحنا.

في حقيقة الأمر، نحن نركض في مضمار الحياة؛ يسبقنا الواجب، وتلاحقنا الالتزامات، ونظن في كل خطوة أننا نقترب من ذواتنا وأنفسنا، بينما الحقيقة أننا قد نكون نبتعد عنها أكثر فأكثر. نستهلك طاقة شبابنا في بناء ممرات لغيرنا، وفي تأمين مستقبل لا نملك فيه ضمانة للبقاء، وننسى أن "الآن" هو المساحة الوحيدة التي نمتلكها حقًا لنكون نحن.

كم مرة نظرنا في المرآة ولم نعرف ذلك الغريب الذي يتأمل فينا؟ ذلك المتعب من إرضاء التوقعات، والمثقل بوعود قطعها للآخرين، ونسي أن يقطعها لنفسه. إن العمر الذي يمر ليس مجرد أرقام تُضاف إلى سجلات أعمارنا، بل هو نزيف صامت للشغف إن لم نتداركه بالدهشة، وبوقفة صدق نعيد فيها ترتيب الأولويات.

أين نرى أنفسنا بعد 5 سنوات مثلًا؟ سؤال لم يعد يخص الطموح الوظيفي أو المكانة الاجتماعية، بل بات سؤالًا عن الأمان الروحي: هل سنكون حينها أكثر تصالحًا مع انكساراتنا؟ وهل سنملك الشجاعة لنقول إننا عشنا أيامنا بملء قلوبنا، لا بملء جداول مواعيدنا؟

يا رفاق العمر، إنَّ الحياة لا تُقاس بعدد الأنفاس التي نأخذها، بل بتلك اللحظات التي تخطف أنفاسنا من فرط المعنى والجمال. وقبل أن يطوينا المساء وتسرقنا المتاهات من جديد، دعونا نتوقف قليلًا عند تلك الضفاف البعيدة التي تركنا فيها أنفسنا.. دعونا نصالح تلك الأرواح المنسية، ونبني لها بيتًا في حاضرنا، فالعمر أقصر من أن نعيشه "مُؤجَّلين".

في ختام البياض، لستُ أدري هل أجبتُ على السؤال، أم أنني زدتُ الحروف حيرة.. لكنني أعلم يقينًا أن الوقوف أمام الورقة بصدق هو أول خطوة لاستعادة ذواتنا التي تاهت في زحام السنين.

يا رفاقَ الطريق والتساؤل نفسه، لا تجعلوا العمر مجرد عبور، ولا الحياة مجرد قائمة من الواجبات؛ فثمَّة أشياء فينا تستحق أن تُعاش، لا أن تُؤجَّل وتُسوَّف، فالوقت لا ينتظر، والقلوب حين تُرهق من الركض لا تعود كما كانت.

وما بين كنا وصرنا مسافة لا يردمها الزمن؛ بل يملؤها الشعور أو يتركها فراغًا يشبهنا.

فهل نحن من نكتب حكايتنا، أم أن الحكاية هي التي تكتبنا بصمت؟!

الأكثر قراءة

z