نفوذ رقمي أم ارتباك إعلامي؟

"مشاهير البرجر".. حين يتقدم غير المختص صفوف الإعلام و"يُهمَّش" أصحاب المهنة!

 

 

◄ المشيخي: اختلاط الدور الإعلامي بالمحتوى التسويقي أدى إلى تضليل الجمهور

◄ المطاعني: المرحلة تتطلب تنظيمًا يوضح الأدوار بين الإعلامي المهني والمؤثر التسويقي

◄ الحبسي: المشهد الصحفي- وليس المهنة - يتعرض لـ"الاختطاف" من "المشاهير"

 

الرؤية- ريم الحامدية

 

أكد مختصون في الإعلام والصحافة أنَّ المشهد الإعلامي الوطني يمُر بما وصفوه "مرحلة حرجة من الاختطاف المهني"، نتيجة تصدر غير المختصين ومن يوصفون بـ"مشاهير البرجر" للمنصات والمحافل الرسمية، معتبرين أن اتخاذ "الانتشار الرقمي" معياراً للأهلية الإعلامية هو تضحية بالمصداقية وجودة الرسالة مقابل "سرعة الوصول" التي تخدم الأغراض الاستهلاكية فقط.

وشددوا- في تصريحات لـ"الرؤية"- على أنَّ الفجوة الحاصلة بين الإعلامي المهني والمؤثر التسويقي أدت إلى "تشويش معرفي" لدى المتلقي، خاصة الأجيال الناشئة، محذرين من استمرار هذا الانزياح الذي يهمش الكفاءات الأكاديمية والباحثين لصالح "الهرج والترفيه"، ومطالبين بضرورة تدخل تنظيمي ورقابي عاجل يضع فواصل قانونية وأخلاقية واضحة تفرق بين "صناعة الوعي" و"الترويج الإعلاني".

وقال الدكتور محمد بن عوض المشيخي أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري، إن ما يُعرف بانتشار المشاهير عبر المنصات الرقمية لا يرتبط بالضرورة بالكفاءة المهنية، موضحًا أن هذه الشهرة مكّنت البعض من الظهور العفوي بدون جهد يُذكر أو دراسة أكاديمية أو تدريب على مبادئ ومهارات الاتصال، وهو ما أتاح لغير المختصين تصدّر المشهد الإعلامي. وأشار إلى أن هذا الانزياح يعود إلى طبيعة الجمهور نفسه، مبينًا أن عامة الناس تميل إلى البساطة والكلام السهل البعيد عن الأفكار المعقدة، وهو ما يجعل المحتوى السطحي أكثر انتشارًا مقارنة بالخطاب المتعمق، كما أن المنافسة في سوق الأفكار أصبحت تحسمها أعداد المتابعين وليس عمق الرسالة.

د.محمد المشيخي.jpeg
 

وأوضح المشيخي أن اختلاط الدور الإعلامي بالمحتوى التسويقي أدى إلى تضليل الجمهور، مؤكدًا أن كثيرًا من المؤثرين يمارسون الترويج الخادع للعلامات التجارية وإخفاء عيوب السلع وإبراز الجوانب الإيجابية فقط.

وأضاف أن هذا النمط من المحتوى يخلق ضغوطًا اجتماعية واقتصادية، حيث يجد الأفراد أنفسهم تحت ضغوط لتلبية ما يُعرض رغم عدم القدرة الشرائية، مما يفضي إلى الإحباط والشعور بالظلم. وأشار كذلك إلى أن التأثير الثقافي أكثر عمقًا، إذ "تغيب القيم والخطاب الوطني" لصالح الاستهلاك والتسطيح، مع ضعف واضح في إسهامات المشاهير في نشر الوعي أو معالجة القضايا الاجتماعية، وهو ما ينعكس سلبًا على الأجيال الناشئة.

وأكد المشيخي أن واقع المشهد يعكس بالفعل تغليب الانتشار على الجودة، موضحًا أن السواد الأعظم من الناس يختار متابعة المشاهير بمضامينهم البسيطة على حساب أصحاب الفكر الرصين، وهو ما يهمّش الكفاءات المتخصصة.

ولفت المشيخي إلى أن هذا الوضع يولد حالة من الإحباط لدى المختصين، في ظل استحواذ غير المؤهلين على الفرص الإعلامية والعوائد الإعلانية، مضيفًا أن التركيز أصبح على الربح المادي والعروض الإعلانية بعيدًا عن الموضوعية، وأن استمرار هذا النمط يهدد مستقبل المهنة، عبر تكريس محتوى سطحي لا يعزز الوعي ولا يواكب الدور الحقيقي للإعلام.

وتحد المشيخي عن وجود جدل حول فرض قيود وتنظيم عمل المشاهير، موضحًا أن البعض يدعو إلى تقييدهم وفرض تراخيص وضرائب، لكنه في المقابل شدد على أن هذه المنصات تمثل نافذة لحرية التعبير ومنبرًا للإعلام الحر.

ورغم ذلك، أكد على ضرورة الالتزام بالمعايير المهنية، داعيًا إلى أن يلتزم المشاهير بالصدق والموضوعية والتوازن في نقل الحقيقة، بما يحمي الرأي العام دون المساس بجوهر حرية التعبير.

وأوضح المشيخي أن تراجع حضور الإعلامي المتخصص لا يعود فقط لهيمنة المشاهير، بل أيضًا لتحولات أعمق في طبيعة الجمهور والإعلام، مشيرًا إلى أن المشكلة تكمن في اختيار الجمهور للمحتوى السهل والبسيط على حساب الخطاب الثقافي.

وأضاف أن ما يبدو كإزاحة للإعلامي قد يكون نتيجة تغير قواعد اللعبة الإعلامية، حيث لم تعد المهنية وحدها كافية دون القدرة على الوصول والتأثير، مؤكدًا أن الساحة أصبحت مفتوحة للمنافسة، لكن بمعايير يحددها الجمهور لا المؤسسات.

وفي المقابل، لم ينفِ وجود استحواذ غير عادل، خاصة مع اعتماد المؤسسات على المشاهير للترويج أو حتى تلميع بعض الجهات، ما يحدّ من فرص الإعلاميين المتخصصين.

بدوره، قال الكاتب الصحفي علي بن راشد المطاعني إن التحول المتسارع نحو اعتماد "الانتشار الرقمي" كمؤشر للأهلية الإعلامية يعكس تغيرًا عالميًا فرضته منصات التواصل الاجتماعي، التي أعادت تشكيل مفهوم التأثير في المجال العام، غير أن الإشكالية الحقيقية تبدأ عندما يتحول هذا الانتشار من أداة داعمة للعمل الإعلامي إلى بديل عنه.

علي المطاعني.jpeg
 

وأوضح أن معايير الأهلية الإعلامية في السابق كانت تستند إلى المعرفة المهنية، والخبرة التحريرية، والقدرة على تحليل القضايا، في حين باتت اليوم تُقاس في بعض الأحيان بعدد المتابعين ومؤشرات التفاعل، وهي معايير لا تعكس بالضرورة جودة المحتوى أو مهنيته، لافتا إلى أن بروز ما يُعرف اصطلاحًا بـ"مشاهير البرجر" يعكس توجهًا لدى بعض الجهات نحو تغليب سرعة الوصول على جودة الرسالة، مؤكدًا أن للمؤثرين دورًا مهمًا في المجال التسويقي، إلا أن توظيفهم ينبغي أن يكون ضمن هذا الإطار، وليس كبديل عن الإعلامي المتخصص.

وفيما يتعلق بتداعيات اختلاط الأدوار بين الإعلامي والمؤثر، بيّن أن ذلك يخلق حالة من التشويش المعرفي لدى المتلقي، خاصة فئة الشباب، حيث يصبح من الصعب التمييز بين المعلومة والرأي والإعلان، ما يؤدي إلى تراجع قيمة المحتوى المهني، وتعزيز ثقافة الانطباع السريع، وضعف الثقة بالمصادر المؤسسية.

وأضاف أن السوق الإعلامي في بعض الحالات يميل إلى تفضيل "الأكثر انتشارًا" على "الأكثر تأهيلًا"، مدفوعًا باعتبارات تسويقية قصيرة المدى، إلا أن ذلك لا يلغي مسؤولية الإعلامي في تطوير أدواته الرقمية لمواكبة التحولات المتسارعة، مؤكدا أن التحدي الحقيقي يكمن في غياب نموذج تكاملي يجمع بين المهنية الإعلامية والوصول الرقمي والثقة المؤسسية، ومحذرًا من أن استمرار الاعتماد على الانتشار وحده قد يؤدي إلى تراجع جودة المحتوى العام وضعف المصداقية الإعلامية مستقبلًا.

وفيما يخص الحاجة إلى التنظيم، أوضح المطاعني أن المرحلة تتطلب تنظيمًا يوضح الأدوار بين الإعلامي المهني، وصانع المحتوى، والمؤثر التسويقي، مع تعزيز أخلاقيات النشر والتمييز بين الإعلان والمعلومة.

واختتم بالتأكيد على أن الإعلام في عُمان يقف أمام مفترق طرق حقيقي، يتطلب إعادة الاعتبار لدور الإعلامي كشريك في صناعة الوعي، مشيرًا إلى أن المعادلة المثلى تكمن في أن يسهم المؤثر في توسيع نطاق الوصول، بينما يتولى الإعلامي تعميق الفهم، وتضطلع المؤسسات بدور الضامن للتوازن بين الطرفين.

وذكر يوسف بن سالم الحبسي -صحفي بجريدة عمان- أن مهنة الصحافة لم تختطف بالنسبة لمن يملك أدواتها الحقيقية، لكن المشهد هو ما تم اختطافه، إذ إن جلوس المشاهير في الصفوف الأولى خلال المؤتمرات والفعاليات وغيرها من المناسبات لا يمنحهم ذلك صفة الصحفي، بل صفة المروج، مضيفا: "ولذلك هناك غصة حين نرى المعايير تختل".

يوسف الحبسي.jpeg
 

وأكد الحبسي أن الصحفي الحقيقي هو من يصنع المحتوى الذي يوثق للتاريخ، بينما "المشهور" يصور لحظة عابرة تنتهي بانتهاء الـ"ستوري"، إذ لم يتنازل الصحفي عن هيبته بل المؤسسات أحياناً هي من انبهرت بالأرقام الوهمية والمتابعات السطحية على حساب المصداقية، حيث إن الهيبة لا تستمد من رقم المقعد في قاعة المؤتمر الفلاني وإنما من القلم والموقف.

وأشار الحبسي إلى أن التحدي الأكبر هو أن تتحول الفعاليات إلى إعلان مبطن، إذ يصبح دور الصحفي أصعب مع وجود كتيبة من المشاهير تلمع الواجهة في مواجهة "فوبيا النقد"، وأن الصحفي الحقيقي هو من يواجه هذا التلميع بالتحليل الرصين، موضحا أن الفرق بين الصحفي والمشهور هو أن الأول يكتب لعقل القارئ، والثاني يخاطب غرائزه الاستهلاكية، وأن الصحفي هناك ليراقب الجودة لا ليلتقط سيلفي مع هذا المسؤول أو ذاك. وطالب الحبسي بالتمييز بين "التغطية الإعلامية" و"الترويج الإعلاني" معتبرا أن هذا الأمر رسالة لدوائر التواصل والإعلام في المؤسسات.

من جانبه، قال ناصر العموري أرجع العموري هذا الانزياح إلى غياب التحري من قبل بعض القطاعات، حيث يعتقد أن بعض الجهات والمؤسسات الخاصة بل والتجار هم من سمحوا بذلك من خلال تعاونهم مع فئة المشاهير دون التيقن من مصداقية طرحهم ومن الرسالة التي يقدمونها إن كانت هادفة من عدمه وفيما يخص بتأثير محتوى الإبهار والتسويق على حساب الصدق والموضوعية، حذر العموري من الانعكاسات المباشرة على الأجيال الناشئة موضحا: "مما لاشك فيه ان هناك تأثير غير مباشر على فئة النشء من خلال تصفحهم بالساعات لمواقع التواصل الاجتماعي ومنهم بالطبع فئة المشاهير والخوف هنا من تأثير بعض المشاهير السلبي في جميع مناحي الحياه".

ناصر العموري.jpg

وبسؤاله عن حالة الإحباط التي تسود أساط خريجي الاعلام نتيجة استئثار غير المختصين بالإعلام الامتيازات، يرى العموري: "أن المشكلة تكتسب أبعادا عالمية، وأن السوق العماني ليس بمعزل إذ إن التأثير يشمل العالم ككل، وحينما ترى نشطاء التواصل وما يحظون به من امتيازات تفوق التصور مقابل الباحثين والادباء والعلماء اللذين أصبح التوجه لهم بصراحة قليل للغاية إلا من رحم".

ومع تزايد عشوائية المشهد شدد العموري على ضرورة الانتقال من مرحلة النقد إلى مرحلة التنظيم، داعيا الجهات المختصة والمعنية بقوله: "على الجهات المختصة التدخل في أقرب فرصة والا سنرى تلاشي دور الإعلامي صاحب الرسالة الهادفة مقابل نشطاء لا يقدمون ما يليق ويرقي بالمجتمع".

وعن تراجع مكانة الإعلامي الحقيقي وتحوله إلى تكملة عدد خلف المشاهير، لفت العموري إلى أن اللوم يقع على الذائقة الرقمية الحالية، مشيرا إلى أنه حتى على المستوى مواقع التواصل الاجتماعي فإن ذائقة المتصفح هي من تحدد أيهم تختار وأن الأغلبية أصبحت تنجر خلف المقاطع الخالية من الإضافة الثقافية والمقتصرة على الترفيه والهرج.

 وفي ختام حديثه، وجه العموري نداء إلى الجهات الرقابية والأسرة قائلا: "هنا مسئولية كبيرة في متابعة كل صغيرة وكبيرة مما يبث خصوصا على الساحة المحلية وما يتعلق بالدين والعادات والتقاليد العمانية الأصلية، وذلك خوفا من إضعاف جيل الغد فكريا ومعرفيا وأخلاقيا، كما أن لولي الأمر دور في ذلك في توعية أفراد أسرته في التفريق بين الغث والسمين".

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z