معركة تافهة جدًا

 

 

 

ريتّا دار

darrita936@gmail.com

 

خرجتُ من البيت بنية واضحة وبريئة إلى حد السذاجة وهي: سأشتري غلاف حماية للهاتف.

غرض بسيط، لا يحتمل الفلسفة، ولا يحتاج إلى مشورة عائلية، ولا يستدعي قراءة مراجعات المستخدمين عبر القارات.

هكذا كنت أظن.

دخلتُ المتجر بثقة امرأة تعرف ما تريد. قلت للبائع، بنبرة مقتضبة تنهي الحوار قبل أن يبدأ: "أريد غلاف حماية للهاتف".

ابتسم ابتسامة خفيفة، تلك الابتسامة التي يحتفظ بها الباعة للحالات التي لا تعرف ما تنتظرها. ثم قال: "أي نوع؟". رددتُ بنظرة فارغة وقدمت هاتفي له كمن يقدم وثيقة رسمية.

فأعاد سؤاله باستخدام كلمات أكثر لكن دون تفسير حقيقي للمعنى الغامض: "ما نوع الغلاف الذي تريدينه؟"

هنا فقط أدركتُ أنني دخلتُ في منطقة رمادية.

أي نوع؟

غلاف.. أليس الغلاف غلافًا؟

لكنني، حفاظًا على ما تبقى من كرامتي، قلت: "عادي".

هزّ رأسه في تفهّم عميق، كأنني قلت له شيئًا مؤلمًا عن طفولتي، ثم أشار إلى رف طويل يمتد كأنه خط أفق: "لدينا أنواع كثيرة".

نظرتُ إلى الرف. لم يكن رفًا. كان أشبه بمعرض للأسئلة الوجودية والقرارات المصيرية.

أغطية شفافة، وأخرى ملونة، بعضها سميك، وبعضها نحيف، منها ما يبدو متينًا كدرع، ومنها ما يبدو جميلًا لدرجة أنه لا يصلح لشيء. ألوانها تتدرج من الأبيض البريء إلى الأسود المتشائم، مرورًا بألوان لا أعرف كيف أو لماذا وُجدت أصلًا.

سألتُ: "ما الفرق؟"

وهنا بدأت الكارثة.

تكلم الرجل بثقة عالم فيزياء يشرح نظرية معقدة، مستخدمًا مصطلحات لم أكن أعلم أن أغلفة الحماية تحتاجها أو حتى تعيها:

قال بثقة: "هذا يحمي أكثر، لكنه ثقيل. وهذا خفيف، لكنه لا يحمي جيدًا.

وهذا جميل، لكنه يتسخ بسرعة. وهذا عملي، لكنه عادي جدًا".

أدركتُ أنني أمام معادلة مستحيلة: إما الجمال.. أو الحماية.. أو الراحة. وتفضيلات أخرى لم يفهمها عقلي الصغير. ولا يمكنك الحصول على كل شيء!

كنت أُومئ برأسي بين حين وآخر، كما يفعل الطلاب حين يتوقفون عن الفهم لكنهم يرفضون الاعتراف بذلك.

في تلك اللحظة، لم أعد أبحث عن غلاف حماية. كنت أبحث عن مخرج.

قررت أن أستعيد زمام المبادرة. أشرتُ إلى واحد عشوائي وقلت: "هذا جيد؟"

نظر إليه نظرة طويلة، ثم قال: "جيد.. لكن ليس الأفضل".

كلمة "ليس الأفضل" كفيلة بإفساد أي قرار في حياة أي أحد.

لا أحد يريد أن يعيش مع "جيد.. لكن".

أشرتُ إلى آخر ملون: "وهذا؟"

قال: "يحجب جمال الهاتف".

نظرتُ إلى هاتفي.

لم أكن أعلم أن له "جمالًا" يجب الحفاظ عليه.

انتقلتُ إلى غطاء سميك: "وهذا؟"

قال: "ممتاز للحماية.. لكن سيجعله ثقيلًا".

في تلك اللحظة، شعرتُ أنني لا أشتري غطاءً، بل أختار أسلوب حياة.

بدأتُ أجرّب. أركّب غطاءً، ثم أزيله. أنظر في المرآة كأن الهاتف قطعة من ملابسي.

أنظر بتمعن، وأحاول أن أتخيل نفسي أعيش معه.

بعد عشر دقائق، لم أعد أعرف ماذا أريد.

ابتسم مجددًا، هذه المرة بثقة المنتصر، وأخرج غلافًا آخر، بدا أكثر لمعانًا، وأكثر تكلفة، وأكثر إقناعًا على نحو مريب.

قال: "هذا ممتاز. يستخدمه كثير من الزبائن".

لا أعرف لماذا نطمئن لعبارة "كثير من الزبائن".

كأننا نحتاج دائمًا إلى جمهور خفي يوافقنا على قراراتنا، حتى لو كانوا جميعًا يشترون الشيء نفسه دون فهم.

نظرتُ إلى السعر.

ثم نظرتُ إلى الغلاف.

ثم إلى البائع.

ثم إلى حياتي كلها التي قادتني إلى هذه اللحظة.

قلت في نفسي: أنا لا أشتري مفاعلًا نوويًا. أنا أشتري غلاف حماية للهاتف.

لكنني، بدلًا من أن أقول ذلك بصوت عالٍ، سألت سؤالًا آخر لا داعي له:

"وهل هناك شيء أفضل منه؟"

وهنا ارتكبت الخطأ القاتل؛ لأن هناك دائمًا شيء أفضل. هذه قاعدة كونية لا تقبل النقاش.

أخرج لي غلافًا عاشرًا، بدا كأنه جاء من المستقبل.

قال: "هذا أحدث إصدار. أجمل، وأكثر أمانًا".

في هذه المرحلة، فقدتُ القدرة على التمييز. كلها بدت متشابهة. كلها بدت ضرورية. وكلها بدت، بطريقة ما، غير مقنعة تمامًا.

تذكرتُ الغلاف القديم في بيتي.

ذلك الغلاف البسيط، الذي كان شفافا نقيًا عندما اشتريته، لقد تغير لونه وأصبح كنبتة ذابلة، لكن أليست هذه سنة الحياة. هو لم يعدني أنه سيحافظ على رونقه للأبد.. ولا أنه سيغير حياتي إلى الأفضل كهذا البائع وأغلفته الغريبة.

غلاف متواضع، لكنه وفيّ.

سألتُ نفسي: هل كنتُ حقًا بحاجة إلى هذا كله؟

عدتُ إلى الواقع، والبائع ما يزال ينتظر قراري، بثقة من يعرف أن الزبونة الآن في أضعف حالاتها.

قلت له أخيرًا، بنبرة حاسمة: "سأفكر وأعود إليك لاحقًا".

هذه الجملة لا تعني التفكير؛ بل تعني الهروب.

خرجتُ من المتجر بخطوات سريعة، كأنني نجوتُ من امتحان لم أستعد له.

تنفستُ بعمقٍ، ونظرتُ إلى السماء، كأنني أطلب المغفرة على ضعفي.

عدتُ إلى البيت. وضعتُ حقيبتي جانبًا. ثم أخذتُ الغلاف القديم المُصْفَر وأعدت تركيبه على هاتفي.

بكل بساطة.

بلا فلسفة.

بلا خيارات.

بلا "أفضل".

جلستُ أحدق فيه لحظة، ثم ابتسمتُ ابتسامة صغيرة، فيها شيء من الامتنان وشيء من السخرية.

شعرت بالنصر على خروجي سالمة من تجربة كانت أطول وأعقد مما تستحق.

أمسكت هاتفي بغلافه الخفيف المألوف، غلاف لا يدعي الأناقة ولا الحماية الكاملة.. يشبهني قليلًا.

كان كافيًا.. وهذا -بالنسبة لي- أكثر من كافٍ.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z