حمد الناصري
كان يرقُب السوق الكبير بعينين مُتيقظتين ووعيٍ رافض لحال الناس ومعيشتهم، ألقى نظرة إلى العَرَبانة وأشار مُحدثاً نفسه: أعلمُ أنكِ عَرَبانةٌ بائسةٌ ضيّقة المعيشة، ولكنّ بُؤسكِ هذا يُشكّل خطورةً على الرأي العام، وتُقلقين بخطورتك مسؤولي السوق الكبير وأرباب تجارة التجزئة وتُربكين أصحاب الأعمال المتفرقة.. وأدركُ بأنّ للعربات فئاتٍ، فللبؤساء أمثالي عربة حِمْلٍ ثقيل، يسوقها بين جنبات المستودعات والمصانع ومكبّ النفايات. وعجلاتك ائتلفتْ مع أسطح السوق ودهاليز مكب النفايات، نحن البُسطاء نعتمر السوق جيئةً وذهاباً، نحمل البضائع عليك ونسوقك بأيدينا المجهدتين، ونُنزل حمولتك على ظُهورنا التي انحنت من كثرة ما حمَلنا عليها من أثقال.
ننظر إلى أرصفة السوق كل يوم بأعْين الكادحين، نترقب أرزاقنا من بضائع التجار التي تعج بها مخازنهم وعرباتهم الكبيرة وتقتُلنا عجرفة المسؤولين؛ ودّ المسؤول لو يخلو السوق مِنا لأننا نُسبب لهم أرقاً، ولم نجد بينهم من يفيض رقة، بل إنهم يُحاربوننا في أرزاقنا ويبحثون عن العمالة الوافدة الرخيصة التي امتلأت بها أسواقنا وتحكّمت فيها، بدءاً من الباعة وانتهاءً بأولئك الذين لا يكلّون عن حَمْل البضائع ليلاً ونهاراً، يتعاملون مع أصحابها بوسائل مُختلفة، فعلاقة السوق بالوافدين أقرب.. ونحن لسنا غير عُمّال وطنيين، مُهِمّتنا منافسة العامل الوافد الذي ترسخت أقدامه في السوق وحِرمان مواطنين آخرين من نشاط التجارة المُستترة، وعلينا أن نبحث عن أية شُغلة لا تتعلّق بالسوق..
وكأنه يُحادث نفسه: انظر يا أحمد، تلك بوابة كبيرة، منظرها جميل، تليق بمكانة السوق، مُشرّعة مساحتها، موصدة أبوابها، يُخيّل إلى الناظر أنها بارزة كفمِ حُوت بحري، تُشعرك بالاختناق كُلّما تعمّقت في داخلها.. الناس باعةٌ ومشترون، يقطعون السوق جيئة وذهاباً، يتصبّب العرق من رُؤوسهم إلى أخماص أقدامهم، قد يُصاب البعض منهم بنوبة ضيْق إذا ما رأوا العرق يبلّل جسدك. كل مرتادي السوق من العاملين خارجه، تشتمّ منهم روائح جسدية لكثرة ما تزاحمتْ أجسادهم والسوق يكتظ بالمتسوقين رجالاً ونساءً.. وكم اشتكى المُشتكون من حرارة السوق في فصل الصيف، رغم تقنية التكييف في الأسواق الحديثة، ومع ذلك فإن أنشطة سوقنا المحلي تزداد تكنولوجياتها الناعمة كلما ازدادت حرارة الصيف، ولهذا فمن حق السُوق أن يكون في أبهى حلّته وأنقى كماله.
انتبه أحمد مدهوشاً وكأنه استفاق؛ وجهٌ آدميٌّ صَلفٌ يُصبّحه بصوتٍ خشن، وقفَ أمامه غاضباً، يكيل شِقوة بذاءته عليه، مع سَيْلٍ من الألفاظ الوقحة غير المُهذّبة.. لم يُصغ أحمد بسمعه للكلمات والألفاظ الوقحة التي ألقاها المسؤول ثم مَشى.
تساءل أحمد في نفسه:
ـ ما بالهُ ساخطاً مُتنمّراً؟ تُرى ما الذي لم يُعجبه؛ هل رثاثتي أم وضع السوق؟!أحد تُجار السوق أخذ ينظر إليه بعينين مُتجهمتين، يبدو من هيئته وملامحه أنه شاميُّ الذمة، وبصوتٍ شاميّ قال:
ـ "بتأبلها عمي؟!" مُشيراً بإصبعه إلى الأشياء الفاسدة المُكدّسة.
وفي الحال.. قال أحمد:
ـ إي نعم، هازاً رأسه بالموافقة.
وبصوتٍ مُفخّم:
ـ خُذْهاااا إلَك...
انفتحتْ حَدقتا عين أحمد بقوة، وأكمل العبارة:
ـ إلى حاوية القمامة الكبيرة!
هزّ الشاميّ رأسه وقال:
ـ شيل قد ما تقدر يا زلمة.. يكفي خمسمائة بيسة، نصف ريال.
حمَلَ أحمد ما أُمرَ به إلى حاوية القمامة الكبيرة؛ كانت بعض التفاحات تكسوها نقاطٌ سوداء، فدسَّ بقاياها في كيس، وهو يفعل ذلك في كل مرّة يمضي فيها إلى "الحاوية".!
عاد أحمد إلى البيت حافياً بلا حذاء، وباندهاشٍ سألته أمه:
ـ ألم أحذّرك من المشي حافي القدمين؟! ألا تخشى عوارض التُّربة؟
بيئة السُّوق كادحةٌ يا أمي.. وأخفى عن ناظريها دمعاتٍ تغلغلت في عينيه، وتمتم سراً: شقوة الكدر كبيرةٌ -يا أمي- على كل محتاج، وقليلٌ مثلي من لا يعبأ بمرارتها، ويرى راحة البال في الكدح والصحة!
حكَّ شعيراتِ جبينه وحدّث نفسه: أمّا أوغادُ التجارة المفتوحة فلن يلبثوا ساعةً من نهارٍ أو ليلٍ إذا عصفت بهم المتغيرات، فلا ذكرَ طيبٌ لهم بين الناس.
هزَّ رأسه غاضباً: ليتني أجدُ ما يُزيل سفالتهم، أُقسمُ لكِ يا أمي أني سأكون أولَ المُبادرين إلى إزالتهم.
أحسَّ أنّ أمهُ بها كدرٌ، فقال في نفسه: ربما تضيقُ نفسها إذا قلتُ لها مثل هذه الكلمات العنيفة.. أخشى عليها من ردة فعلٍ أكبر..
سحبَ نفساً عميقاً والتفتَ بوجهه نحوها، فلمحَ دموعاً تنزلقُ من عينيها، وفي الحال قال:
ـ سامحيني يا أمي، أعلمُ بأنكِ تخافين عليَّ وعلى صحتي، ولكني أعدكِ غداً أنْ أشتري حذاءً من عند النّعّالين!
