ماجد المرهون
لم تعد مؤشرات الحروب تتمثلُ في حركة الأقمار الصناعية وصورها ولا في نبرات الخطابات الرئاسية ورمزياتها وراء الجُدران السميكة المُحصَّنة؛ حيث لا تصل اشعةُ الشمس إلا باعتمادات خاصة بعد تصاريح امنيِّة مشددة، بل باتت المؤشرات ترتدي زي عامل توصيل طلبات مكسيكي بسيط حاملًا للعلب والصناديق الورقية الساخنة والدافئة وتدغدغ مشاعرهُ احلام الثراء وهو ينتظر ساعة الصفر للإذن بالدخول بعد الساعة العاشرةِ ليلًا من الموظف الشاب "جون" المنهمك بالعمل في مكتبهِ الصغير، وقد ناء سطحهُ بحمل جهازي حاسوب وكل تلك الملفات والأوراق التي تعصف بها رياح عاتية من التثاؤب.
لم تكن حالة التوتُّر تستبيح المكان بسبب تقريرٍ استخباراتي أو قرار مفاجئ من نزوةٍ رئاسية تلغي القرار السابق قبل ساعتين، وانما بسبب الإيقاع الغريب المُتصاعد الذي بدأ يغزو مبنى البنتاجون في دلالات اجتياحهُ الصامت للمرات والأروقة والغرف، ولا يكسر وجُوم ذلك السكون المُريب شيئًا سوى الصوت السريع لاحتكاك أقمشة البدلات الفاخرة ونقرات قرع أطراف كعوب الأحذية على الأرضيات الرخامية الباردة، وظاهريًا لا توجد اجتماعاتٍ رسميةٍ أو مُعلنة، لكن الأضواء في المكاتب العليا مُشتعلة كالنجوم الزائفة في سماء واشنطن، فيسأل "جون" زميله بصوتٍ خفيض: هل تُلاحظ طابور سيارات ودراجات توصيل الطلبات بالخارج؟ فيجيب "مارك" نعم ولم أرى مثل هذا الحراك منذ زمنٍ بعيد باستثناء الفترة التي سبقت اختطاف الرئيس الفنزويلي، ويخيل لي وجود علاقةٍ وطيدةٍ بين المطاعم ومُخططات البنتاجون، كما يبدو لي أن "وراء الأكمةِ ما ورائها". وبالطبع قالها مارك بلغة الشارع الأمريكي المُشفَّرة.
يلتهم الموظفون قِطع البيتزا المُثلثة كنوعٍ من الوقود الغرزي للبقاء واليقظة وليس استمتاعًا، وهم عالقون بين تناقُضاتِ كسب العيش من اجورهم الكبيرة وتحقيق احلامهم الصغيرة في ضرورة البُعد عن منازلهم واسرهِم وتقمص دور نداء الواجب الوطني الهوليودي، في حين كانت رائحة العجين المخبوز والتوابل تختلط برائحة التوتر المادي والنفسي في هواء التكييف المركزي، كان قلق جون يُمثل حالة من اللايقين عندما يرتفع معدل دقات قلبهِ مع كل علبة تدخل المبنى، فهو لا يرى سوى جزءًا صغيرًا من الصورة كما يرى كل موظفٍ جزئهُ الصغير الخاص به ولا يفهم احجية صورة الأحلام الكبيرة إلا من يُرسل الأوامر مُفرقة ومختلفة وسرية لكل قسم.
هناك من يُدقِّق مخزونات القواعد البعيدة لما وراء البحار، وآخر يُراجع الإحداثيات القديمة ويقارنها بالجديدةِ، وهناك من يطلب المزيد من البيتزا، والكُل مُنهمك في العمل كخليةِ نحل، لكنه لا يُنتج العسل بل حرائق وقتل ودمار وتشريد ويرسمون لا اراديًا الصورة الكاملة لجعل امريكا عظيمة مُجددًا، ولم يكن ذلك يؤذي مشاعر الموظفين بقدر ما تؤذيهم حالة اللافهم، لاسيَّما الموظفون الصغار وهم يشكلون التروس في الآلة الضخمة، فيغذونها بالبيانات وهي تُطعمهم الوجبات السريعة والمشروبات الغازية الوطنية، بينما طبول الحرب تُقرع في الغُرف المُغلقة والمحصنة؛ حيث لا تصل رائحة الببروني وفلفل الهاليبينو الملتصقان بالجبن الذائب، ويستعاض عنها بنبيذ كابرنيه الكاليفورني.
يبدو أن فلسفةً حديثة بدأت بالتشكُّل من داخل علب البيتزا واعدادها واحجامها، والرؤية الجديدة للمُحللين والمراقبين الخارجيين باتت ترصد فروع المطاعم المُجاورة وتنقُلات عمَّال توصيل الطلبات عبر الشوارع المُحيطة بالمبنى كبديلٍ يساير التقارير السرية ومُخرجاتها على أرض الواقع، بحيث يُمثل الطلب العادي والصغير حياةً دبلوماسية مستقِّرة، بينما تُمثل الطلبات الكبيرة المتواصلة تحركاتٍ وشيكة أو أزمة أو ضربات عسكرية، وتزداد الطردية بحسب زيادة الطلبات.
لم يعد مارك في شكٍ من هذه المُعادلة، فاليوم الذي يأتي فيه للعمل ويُخبره مديره بأهمية طلب مجموعة كبيرة من البيتزا للموظفين يمسي يومًا كئيبًا، مما يضطره لإخبار زوجته بعدم انتظارهِ على الغداء والعشاء، وتظهر في اليوم التالي انتصارات بلاده على الأعداء عبر قنوات الأخبار ومواقع التواصل وتغريدات السيد الرئيس، فيوقٍّع على فاتورة تسديد أجر المطعم، وفي الجانب الآخر من العالم يُسدد المئات من الأطفال وطلاب المدارس فاتورة أخرى من أرواحهم ودمائهم واجسادهم.
يخاف جون على مشاعر ابنته الصغيرة أن تتأثر عند احتمال عدم تمكُنه من حضور حفلتها المدرسية، وهو سارح في علبة البيتزا ومحتوياتها الجافة وهي مُلقاةٌ امامه في سلة المُهملات، واحساس الغثيان يخالطه منذ العشاء الأخير في الليلةِ الماضية، ليس من الطعام نفسه بل من فكرة ارتباط هذه الوجبات السريعة في هدوء الليالي ثم يتبعها قصفٌ عاصف من غضبٍ ملحمي، وفي الوقت الذي يغط فيه الناس خارج المبنى في نومٍ عميق، كانت أفران بيتزا البنتاجون مشتعلةً وتعمل بأقصى طاقتها، فتخبز العجين من مصائر الشعوب وتنثر قطع اللحم المسفوع تحت صلصةٍ من الدماء، ويحملها عاجلًا عاملٌ مُهاجر يجهل مصيرة وقبل أن تبرد لإيصال الحلم الأمريكي الى باب العميل ساخنًا ليباغتها بالالتهام سريعًا في نفس اللحظة التي دقت فيها ساعة الصفر، وما اكثر ساعات اصفارهم.
