د. خالد بن علي الخوالدي
الحديث يتكرر ويتداول بشدة في المجالس العامة والجلسات الخاصة وبمواقع التواصل الاجتماعي عن ارتفاع أسعار عدد من السلع والخدمات في السوق العُماني، يأتي هذا في ظل تطورات متسارعة ومتغيرات اقتصادية عالمية نتيجة تنامي الأزمات الجيوسياسية التي تلقي بظلالها على سلاسل الإمداد وأسعار السلع خاصة الأزمة القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ووسط هذا تتجه الأنظار نحو الدور المحوري الذي تضطلع به هيئة حماية المستهلك بوصفها خط الدفاع الأول لحماية المستهلك وضمان استقرار الأسواق، وبينما تتعالى شكاوى بعض المستهلكين من ارتفاع أسعار عدد من السلع، تبرز في المقابل جهود مكثفة تبذلها الهيئة لضبط السوق وتحقيق التوازن بين حماية المستهلك ومراعاة المتغيرات الاقتصادية العالمية التي لها تأثير مباشر أو غير مباشر في قضية الأسعار؛ سواء من حيث أسعار الطاقة أو تكاليف النقل أو سلاسل التوريد.
ومن خلال اطّلاعي البسيط والمتواضع أرى بأن الهيئة تعمل على إدارة هذا الملف بحساسية عالية؛ حيث تأخذ في الاعتبار تعقيدات المشهد الاقتصادي العالمي، دون التفريط في حقوق المستهلكين أو السماح بأي ممارسات استغلالية، وفي حديث مع أحد المختصين في الهيئة أوضح لي أن التوجه الحالي لضبط الأسعار خصوصًا في ظل تداعيات الأزمة الأمريكية الإيرانية، يقوم على مبدأ التوازن؛ إذ تسعى الهيئة إلى حماية المستهلك من جهة ومواكبة المتغيرات العالمية من جهة أخرى، دون الإخلال بكفاءة السوق، وهذا التوجه يعتمد على منع الاستغلال وضمان وفرة السلع والتدخل عند الحاجة بشكل مرن ومدروس.
وتركز الهيئة بشكل خاص على السلع الأساسية، نظرًا لتأثرها المباشر بالأزمات الدولية؛ حيث يتم السماح بالارتفاعات المبررة عالميا، في حين يتم التصدي بحزم لأي زيادات غير مبررة محليا، كما تعمل الفرق الرقابية على تكثيف جهودها الاستباقية لمتابعة الأسواق ومراقبة المخزون وضمان انسيابية الإمدادات؛ بما يسهم في الحفاظ على استقرار السوق وتفادي أي اختناقات قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ويقوم التوجه الحكومي الحالي على إدارة تقلبات السوق بما يتماشى مع طبيعة السوق المفتوح، ويجنب ظهور أسواق موازية أو ممارسات احتكارية؛ فالتدخل الحكومي وفق هذا النهج يظل مرنًا ومؤقتًا ومرتبطًا بتطورات الأزمة، ويستهدف حماية التوازن العام دون الإضرار بحركة السوق.
وبعد هذه الجهود المشكورة من الهيئة يقع الدور على المستهلك من خلال الوعي واتخاذ القرارات الشرائية المناسبة بحرص وعدم استعجال واختيار البدائل المتوفرة والإبلاغ عن أي تجاوزات، فهو شريك حقيقي في ضبط السوق ولا يقع كل الحمل على الهيئة؛ فالمستهلك الواعي يمثل عنصرًا مُهمًا في معادلة التوازن إلى جانب الجهات الرقابية والتشريعية.
إنَّ ما تقوم به هيئة حماية المستهلك اليوم يعكس نهجًا مؤسسيًا متقدمًا في إدارة الأزمات الاقتصادية، قائمًا على قراءة دقيقة للواقع واستجابة مدروسة للمتغيرات، بما يحفظ حقوق المستهلكين ويصون استقرار السوق في آنٍ واحد، ومع استمرار التحديات العالمية يبقى هذا الدور أكثر أهمية من أي وقت مضى، في سبيل تعزيز الثقة بالسوق المحلي وضمان استدامة توفر السلع بأسعار عادلة.
ودُمتم ودامت عُمان بخيرٍ.
