د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي
تعتمد نسبة الطلاق- ارتفاعها أو انخفاضها- في المُجتمعات بشكل كبير على العديد من العناصر، أبرزها: طرفا العلاقة الزوجية، والمحيط الأسري (أقارب الزوجين)، ومكاتب المُحاماة، والجهات القضائية.
وبالنظر إلى الإحصائيات الصادرة عن الجهات المختصة في المجتمع العُماني في هذا الشأن، نلاحظ ارتفاع نسبة الطلاق في السنوات الأخيرة، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الخصوص، هل نحن أمام خلل أسري أم فشل في إدارة النزاعات الأسرية؟
غنيٌ عن البيان أنَّ ارتفاع نسبة الطلاق في أي مجتمع لا يمكن اعتباره مجرد إحصائيات عابرة تنشر في تقارير رسمية، بل هو في الحقيقة إنذار صامت يحمل في طياته خللاً عميقًا يتجاوز حدود العلاقة بين الزوجين ليصل تأثيره السلبي في البنية الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع. حيث إن الأسرة عبارة عن مجموعة أفراد تنشأ برباط مقدس بين الزوجين، تمتد لتشمل الأبناء، في إطار من القيم والاستقرار والثوابت التي يمتاز بها كل مجتمع، في إطار من التوازن النفسي والمجتمعي لأفراد الأسرة.
ولئن كان الحرص على التعايش الأسري مبنياً على تحقيق التوازن النفسي بين طرفي العلاقة الزوجية، فإنِّه بالمقابل في حالة عدم اكتراث الزوجين للمحافظة على تلك الرابطة الزوجية، وغياب القدرة على حل النزاع الأسري من قبل أقارب الطرفين أو مكاتب المحاماة- عند عرض الخلاف عليها من قبل أي من الطرفين- أو اللجوء إلى المحاكم الشرعية في الجهات القضائية- للفصل في النزاع محل الخصومة بين الزوجين- فإنَّ ذلك لا يقتصر على انحلال العلاقة بين الزوجين، بل سيؤدي إلى تفكك الأسرة برمتها، ومن ثم لن يؤثر هذا الانهيار الأسري على الأسرة فقط، بل سوف يمتد تأثير ذلك على كامل منظومة الأمان الاجتماعي للدولة.
ويقودنا هذا إلى طرح تساؤل أكبر وأعمق يتمثل في مدى وجود خلل في الشراكة الأسرية (العلاقة بين الزوجين)؟ ومدى قصور المكونات الأخرى في المجتمع العماني في إدارة النزاعات الأسرية؟
الإجابة على هذا السؤال، لا تتمثل في ما قد يطرأ من خلافات بين أصحاب العلاقة وهما الزوجين؛ حيث إن الاختلاف بين طرفي العلاقة هو أمر لا مناص من حدوثه بين الفينة والأخرى، ومن ثم قد يضيق هذا الاختلاف حينًا وقد يتسع في أحيان أخرى، ويبقى الفيصل الوحيد في الطريقة المثلى التي يدار بها مثل هذا النوع من النزاعات.
والبين أن الخلافات الأسرية أمر طبيعي في أي علاقة إنسانية، ولكن يكمن الخطر في كيفية التعامل مع تلك الخلافات؛ حيث أفضت العديد من النزاعات الأسرية التي تصل إلى الجهات القضائية إلى انفصال العلاقة الزوجية، وهو بطبيعة الحال أمر غير محمود، وأن تلك الخصومات لن تصل إلى تلك الجهات القضائية إلا في حالة إهدار فرص احتواء تلك الخلافات، والعمل على رأب الصدع لتلك العلاقة.
ولا جرم أنَّ تصدع العلاقة الزوجية هو في حقيقته شبيه بما يتعرض له الإنسان من أمراض، فكلما بادر الإنسان إلى الكشف المبكر والبحث عن العلاج الملائم لحالته المرضية، قبل انتشارها واستفحالها في جسده، كان العلاج أكثر نجاعة وفاعلية، ومن ثم وجد هذا المريض طريقه للشفاء بصورة أسرع وأيسر، والحال كذلك للعلاقة الزوجية عندما تجد الحلول المناسبة في بداية حدوثها، فإنَّ ذلك الخلاف سوف يتم وأده في مهده، ومن ثم سوف تعود تلك العلاقة إلى طبيعتها واستقرارها.
وعلى خلاف ذلك، فإن غياب الوعي لدى الزوجين، والتدخل غير المحمود من قبل الأقارب، وعدم اكتراث المحامين لتلك العلاقة، وعدم الإلمام من قبل المختصين العاملين في الجهات ذات العلاقة من أخصائيين اجتماعيين وغيرهم بأهمية المحافظة على العلاقة الزوجية للأسرة، كل تلك العوامل سوف تؤدي إلى إهدار فرص نجاح تحقيق التوازن الأسري للمجتمع.
ولئن كان يُعوَّل على طرفي العلاقة الزوجية المحافظة على تلك العلاقة، إلا أنه لا يمكن إنكار دور الأهل والأقارب في حلحلة الكثير من الخلافات التي قد تحصل بين الزوجين؛ حيث إن قربهم من أطراف العلاقة يمنحهم دورا أكبر وأعمق في فهم طبيعتهم، ومن ثم يكون لهؤلاء دور في رأب الصدع لتلك العلاقة أو تأجيجها والانحدار بها إلى مستنقع عدم الثقة وزيادة حدة الخلافات التي قد تصل بها في غير قليل من الحالات إلى انحلال العلاقة الزوجية وتشتت وضياع باقي أفرادها.
وحيث إن فئة من طرفي العلاقة الزوجية يلجأون إلى مكاتب المحاماة، للبحث عن استشارة أو إيجاد مخرج للخلاف الحاصل مع الشريك الآخر، فإن السؤال الذي قد يثار في هذا الشأن: هل المحامي في الدعاوى الأسرية خصم أم صانع سلام؟
بطبيعة الحال تتباين الدعاوى الأسرية- الشرعية- عن مثيلاتها من الدعاوى التي يدرسها المحامي، ففي مثل هذه الدعاوى الأسرية يستوجب على المحامي إيجاد الحلول الناجعة للمحافظة على العلاقة الزوجية بين الطرفين، لا إلى الدفع والزج بتلك الدعاوى إلى الجهات القضائية ومحاولة الانتصار لموكله على حساب الطرف الآخر؛ فالمحامي صاحب رسالة، وهو من يدرك أن خلف هذه النوع من الدعاوى زوجين بحاجة إلى الاحتواء لا إلى الانفصال، وأولاد بحاجة إلى الاستقرار والأمان الأسري لا إلى التشتت والضياع، وكم من حالة كانت بحاجة إلى حل بسيط تحولت إلى معركة طويلة واستنزاف مادي ومعنوي بين أطرافها، مخلفة وراءها آثارًا نفسية واجتماعية واقتصادية على كافة أفراد الأسرة؟!
أما من حيث الجهة القضائية المختصة بنظر هذا النوع من الدعاوى، ولئن كانت النصوص القانونية هي الحاكمة في الفصل في تلك النزاعات، إلّا أن هذا النوع ذا طبيعة خاصة، يستلزم من القائمين عليه إدارته بطريقة مغايرة عن القضايا الأخرى، حيث العلاقة بين طرفيه قائمة على المشاعر والأحاسيس لا على الأرقام والمصالح، فكل إجراء تتخذه هذه الجهات يجب أن يكون مدروسًا بعناية، حتى لا ينقطع آخر أمل في إعادة تلك الأسرة إلى طبيعتها واستقرارها.
وحاصل القول، لا ينحصر ارتفاع نسبة حالات الطلاق في فشل أصحاب العلاقة الزوجية فقط، بل يمتد ذلك إلى وجود خلل في منظومة متكاملة في المجتمع، لذا وبغية الحد من الآثار السلبية الناجمة عن حالات الطلاق في المجتمع العماني، فإننا نوصي بدراسة ما يلي:
- تكثيف وزارة الاعلام للحلقات والبرامج الخاصة بالأسرة والمجتمع، عبر استضافة ذوي الاختصاص في هذا الشأن.
- تأهيل شاغلي وظيفة اخصائي اجتماعي التابعين لوزارة التنمية الاجتماعية، عبر اشراكهم في البرامج ذات التأطير النظري والعملي في كيفية التعامل مع النزاعات الأسرية.
- قيام وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوعية المجتمع عبر عقد المحاضرات والندوات في الجوامع ودور العبادة.
- قيام وزارة الثقافة والرياضة والشباب بإدماج الشباب في برامج وأوراش عمل في الملتقيات الشبابية وفي الأندية والفرق الأهلية الخاصة بذلك.
- قيام وزارة العدل والشؤون القانونية بتأهيل المحامين عبر ادماجهم في برامج تدريبية متخصصة في هذا المجال.
- توجيه القضاة الشرعيين في المجلس الأعلى للقضاء بدراسة الدعاوي الشرعية بتأني، والبحث عن أدوات وحلول تساعد على حلحلة الخلافات الأسرية، وإعادتها إلى طبيعتها، دون إغفال إلى تطوير النصوص القانونية بما يخدم أصحاب هذه العلاقة.
- تفعيل دور الوسيط لحلحلة الخلافات بين أطراف العلاقة الزوجية، وذلك في مرحلة سابقة على عرض النزاع محل الخلاف على الجهات القضائية.
** دكتوراة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، ورئيس مركز البحوث والدراسات الجامعية
