دول الخليج العربية في لحظة الاختبار

 

 

 

 

عبدالنبي الشعلة

 

يراقب المواطن الخليجي بقلق وترقب مشهدًا إقليميًا مضطربًا، تتداخل فيه حسابات الحرب مع رهانات التهدئة، في ظل حالة من "اللاسلم واللاحرب" التي تخيم على المنطقة. فمواقف الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران- وهي الأطراف المنخرطة في النزاع الأخير- باتت تتغير بوتيرة متسارعة، وأحيانًا متناقضة، بما يعكس حجم التعقيد الذي بلغته هذه الأزمة، ويصعّب الوصول إلى استنتاجات حاسمة بشأن مساراتها المستقبلية.

وبين مؤشرات انفراج محتمل وتصريحات متضاربة، تتواصل الضغوط السياسية والحرب النفسية، فيما تنشط الوساطات وتُتبادل الرسائل عبر قنوات متعددة. وفي خضم ذلك، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب نهجه التصعيدي في الخطاب، بما يضيف مزيدًا من الإرباك إلى حسابات القيادة الإيرانية، ويجعل المشهد أكثر غموضًا وتعقيدًا.

في هذا المنعطف الحرج، لم يعد أمام صانعي القرار في دول الخليج العربية خيار سوى المتابعة الدقيقة لكافة التطورات، وقراءة المشهد بعمق وواقعية، مع الاستعداد لمختلف السيناريوهات المحتملة. فالتعامل مع أزمة بهذا الحجم يتطلب يقظة استراتيجية، وخططًا مرنة قادرة على التكيف مع التحولات السريعة.

وإذا ما أخذنا في الاعتبار حجم الخسائر التي تكبدها النظام الإيراني خلال المواجهات الأخيرة، من استهداف واسع لمنشآته العسكرية والبنى الاقتصادية، فضلًا عن تراجع قدراته العملياتية، فإن المؤشرات- حتى لحظة كتابة هذه السطور- توحي بأن الولايات المتحدة قد تميل، في هذه المرحلة، إلى الاكتفاء بتشديد الحصار الاقتصادي والبحري على إيران، بدلًا من الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة. وهو خيار من شأنه أن يفاقم الضغوط على الاقتصاد الإيراني، ويزيد من حدة التوترات الداخلية، ويعمّق الانقسامات داخل مراكز القرار في طهران.

في المقابل، تدرك دول الخليج العربية أنها تقع- بحكم الجغرافيا والتاريخ- في قلب صراع تتقاطع فيه مصالح 3 قوى كبرى، لكل منها حساباتها وطموحاتها. وهو واقع يفرض عليها تحديات مركبة، لعل أبرزها ما يتعلق بأمن الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي بات عرضة للتجاذبات والضغوط المتبادلة، بما يهدد استقرار حركة التجارة والطاقة العالمية.

أمام هذا الواقع، تبرز حقيقة لا تقبل الجدل: أن التعاون الخليجي لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية؛ فالتحديات الراهنة تتطلب مستوى غير مسبوق من التنسيق والتكامل، خصوصًا في المجالات الأمنية والدفاعية، إلى جانب تسريع الجهود الرامية إلى تنويع مسارات تصدير الطاقة، عبر تطوير خطوط أنابيب بديلة، وتعزيز شبكات النقل واللوجستيات، بما يقلل من الاعتماد الحصري على الممرات البحرية الحساسة.

غير أن الصورة ليست قاتمة؛ فدول الخليج العربية لا تقف في موقع الضعف، بل تمتلك رصيدًا معتبرًا من عناصر القوة، التي راكمتها عبر عقود من الاستثمار المدروس. وقد أثبتت هذه الدول، خلال المواجهات الأخيرة، قدرًا عاليًا من الحكمة والاتزان، حين تجنبت الانزلاق إلى أتون الحرب، رغم ما تعرضت له من استفزازات مباشرة.

هذا الرصيد لا يقتصر على البُعد السياسي، بل يمتد إلى الموقع الجغرافي الاستراتيجي، والسمعة الدولية الإيجابية، القائمة على الاعتدال والانفتاح، والابتعاد عن سياسات الهيمنة والتوسع. كما عززت هذه الدول حضورها الاقتصادي، لتتحول إلى مراكز مالية واستثمارية مؤثرة، ذات امتدادات في مختلف الأسواق العالمية.

وعلى الصعيد العسكري، حققت دول الخليج تقدمًا ملحوظًا في بناء قدراتها الدفاعية؛ سواء من حيث التسليح أو الجاهزية، ما مكّنها من التعامل بفعالية مع التهديدات الحديثة، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة. كما برز دور بعض هذه الدول في الوساطات الدبلوماسية، ما منحها مكانة متقدمة في إدارة الأزمات الإقليمية والدولية.

ولا تقل أهمية عن ذلك المكانة الحيوية التي تحتلها هذه الدول في منظومة الاقتصاد العالمي. فهي تمثل ركيزة أساسية في سوق الطاقة، حيث تساهم بنسبة كبيرة وازنة في إمدادات النفط العالمية، إلى جانب دورها المتنامي في سلاسل الإمداد المرتبطة بالصناعات الحيوية، بما في ذلك إنتاج مكونات أساسية تدخل في صناعة الأسمدة، وهو ما يجعل استقرارها عاملًا حاسمًا في استقرار الاقتصاد العالمي.

غير أن كل هذه المقومات، على أهميتها، تظل رهينة بمدى قدرة دول الخليج العربية على توحيد جهودها، وتحويل عناصر قوتها المتفرقة إلى قوة جماعية متماسكة. فالتاريخ يعلمنا أن الدول التي تنجح في إدارة أزماتها الكبرى هي تلك التي تحسن قراءة اللحظة، وتدرك أن التحديات المشتركة لا يمكن مواجهتها إلا بإرادة مشتركة.

إنَّ لحظة الاختبار التي تعيشها المنطقة اليوم قد تكون، في جوهرها، فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وبناء نموذج خليجي أكثر تماسكًا وقدرة على التأثير؛ فإمَّا أن تبقى هذه الدول ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، أو أن تتحول إلى كتلة استراتيجية متماسكة، تفرض حضورها، وتحمي مصالحها، وتسهم في صياغة مستقبل أكثر استقرارًا للمنطقة بأسرها.

الأكثر قراءة

z