د. عبدالله بن سليمان المفرجي
بعد هذه الرحلة الطويلة الشائقة في عالم إعداد المعلمين وتطوير أدائهم المهني، وذلكم الترحال العميق الممتع نصل إلى عتبة باب محطتنا الأخيرة، حيث تتجلى أمامنا الحقيقة الأسمى والرؤى الثاقبة: أن إصلاح التعليم ليس غاية في حد ذاته فقط، بل هو وسيلة لبناء الإنسان الذي هو أساس الحضارة وغاية الوجود الكوني.
وقد كنا بدأنا رحلتنا بتشخيص الداء في جذوره العميقة الموغلة في القدم: طلاب لم يختاروا مهنة التعليم عن قناعة راسخة، وحب مطبق وأساتذة انفصلوا عن الميدان، انفصال السيف عن غمده وانقطعت صلتهم بواقع الفصول الدراسية والمواقف التعليمية المختلفة والمتنوعة، ومناهج نظرية بحته لا تلامس الواقع التربوي ولا تعكس تحدياته ومصاعبه، وفي ظل إدارة بيروقراطية تخنق الإبداع وتجمد العقل البشري وتقف عائقًا أمام كل محاولة للتجديد والتطوير والارتقاء بمنظومة التعليم وأهله. ثم انتقلنا إلى سبل العلاج الجذري المقترح المأمول ليس فكرة عابرة، بل أفقٌ يُرتجى، ومسارٌ يُهتدى به نحو تعليمٍ ينهض بالعقول ويُحيي المعاني: كإعادة هيكلة البرامج نحو النموذج المهني الحديث القائم على الكفايات، وتطوير أداء الأساتذة المستمر عبر الإلزام بالتدريب الميداني الدوري المتواصل، وإنشاء هيئات مستقلة للترخيص المهني تضمن الجودة والمساءلة، وإعادة النظر في معايير القيادة التربوي لتكون في أيادي خبراء الميدان الذين عايشوا واقع التعليم وذاقوا مرارته وحلاوته وعانقوا مصاعبه. واستشرافنا للمستقبل ألزمنا بإعداد معلمين قادرين على توظيف الذكاء الاصطناعي والميتافيرس كحليف، مع الوعي الكامل بمخاطره، وضرورة تضمين برامجهم محتوى متخصصًا في الأمن السيبراني النفسي والاجتماعي والقانوني.
ثم ختمنا بضرورة إقرار نظام متكامل للحوافز والأجور يعيد للمعلم كرامته ومكانته الاجتماعية والمادية، شامخًا بدوره، يُشار إليه بالبنان، وتُستضاء بخبرته دروب الأجيال مما يعزز مكانة المعلم ويمنحه التقدير اللائق بدوره في بناء الأجيال.
هذه الرؤية المتكاملة البديعة التي بنيناها عبر 6 حلقات سابقة ليست مجرد اجتهادات فردية أو أحلامَ يقظةٍ ورديةً، بل هي خلاصة تجارب دول رائدة سبقتنا أعوامًا عديدة في مضمار الإصلاح التربوي، واستطاعت خلال عقود قليلة أن تحقق قفزات نوعية في تعليمها، وأن تتحول من دول مستوردة للمعرفة إلى دول مصدرة لها. فدولة مثل فنلندا التي كانت تعاني في ستينيات القرن الماضي من تخلف تعليمي واضح، استطاعت خلال ثلاثين عامًا أن تتصدر مؤشرات التعليم العالمية بامتياز، ليس بالصدفة ولا بالحظ، بل بخطط مدروسة وإرادة سياسية ثابتة ومشاركة مجتمعية فاعلة. فقد استند الإصلاح الفنلندي إلى مبدأ أساسي هو الاستثمار في المعلم باعتباره الركيزة الأولى الأساسية للتعليم، فتم رفع متطلبات القبول في كليات التربية إلى أعلى المستويات، وأصبح الالتحاق بها من أصعب الكليات تنافسًا؛ حيث لا يقبل إلا واحد من كل عشرة متقدمين (Sahlberg, 2023, p. 45).
وتم إلزام جميع معلمي التعليم الأساسي بحمل درجة الماجستير، مع تضمين برامج الإعداد تدريبًا ميدانيًا مكثفًا يمثل نحو ثلث الخطة الدراسية، يشرف عليه أساتذة أكاديميون مميزون ومعلمون خبراء مبدعون في الميدان في آن واحد (Finnish National Agency for Education, 2024, p. 12). وقد أسفر هذا الاستثمار الطويل الأجل عن نتائج مذهلة وتحول في مسرح التعليم: فقد أصبحت فنلندا تحتل اليوم مراكز متقدمة في مؤشرات القراءة والرياضيات والعلوم، ويحظى المعلمون الأفاضل فيها بمكانة اجتماعية تعادل مكانة الأطباء والمحامين (Hargreaves & Fullan, 2022, p. 89).
أما سنغافورة، تلك الدولة المدينة الصغيرة التي افتقرت إلى الموارد الطبيعية، فقد راهنت على موردها الوحيد النادر: الإنسان. في ثمانينيات القرن الماضي، أطلقت سنغافورة خطة إصلاح شاملة للتعليم في مختلف جوانبه، جعلت في صميمها برامج إعداد المعلمين. فقد تم إنشاء المعهد الوطني للتعليم (NIE) ليكون الجهة الوحيدة المسؤولة عن إعداد المعلمين، وتم ربط هذا المعهد ارتباطًا عضويًا بوزارة التربية، بحيث لا تنفصل سياسات إعداد المعلمين عن احتياجات الميدان الفعلية. كما تم تطبيق نظام "المعلم المتخصص" الذي يتيح للمعلم مسارات مهنية متعددة ومتطورة: مسار أكاديمي يركز على التدريس والتطوير المهني، ومسار قيادي يتجه نحو الإدارة المدرسية، ومسار بحثي يركز على الابتكار والبحث التربوي العميق. وفي كل مسار، يحصل المعلم على حوافز مادية تتناسب مع تطوره المهني وإسهاماته البارزة، مما جعل مهنة التعليم في سنغافورة من أكثر المهن جاذبية وحبا لأفضل الخريجين (National Institute of Education Singapore, 2024, p. 28).
وقد أسهم هذا النظام في تحويل سنغافورة إلى واحدة من أفضل الأنظمة التعليمية المبتكرة في العالم، حيث تحتل مراكز متقدمة في تصنيفات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD, 2024, p. 112).
وإذا انتقلنا إلى كندا، نجد نموذجًا آخر للإصلاح القائم على اللامركزية والمساءلة المهنية والأبداع والابتكار. ففي مقاطعة أونتاريو، تم إنشاء كلية المعلمين (Ontario College of Teachers) كهيئة مستقلة مسؤولة عن تنظيم مهنة التعليم، وإصدار رخص التدريس، وتجديدها دوريًا وفق معايير صارمة قائمة على الأداء والتطور المهني المستمر (Ontario College of Teachers, 2024, p. 8). ولا تقتصر مسؤولية هذه الهيئة على إصدار التراخيص فحسب، بل تمتد إلى وضع معايير الكفاءة المهنية، والإشراف على برامج إعداد المعلمين، وتقييم أداء المعلمين في الميدان من خلال زيارات صفية غير معلنة وتحليل لحصص مسجلة. وقد أسهم هذا النظام في رفع مستوى المهنية والمساءلة، وفي استعادة ثقة المجتمع في مهنة التعليم (Teaching Regulation Agency UK, 2024, p. 15).
أما أستراليا، فقد اتخذت مسارًا مختلفًا عنا سابقتها من الدول مستفيدة من التجارب والخبرات المتراكمة، في الميدان فغدت تجاربها مناراتٍ تُهتدى، وآثارها طرقًا تُسلك نحو الريادة. فقد ركزت على التطوير المهني المستمر وربط الترقي بالكفاءة والبذل والعطاء. فقد تم تطوير إطار وطني للمعايير المهنية للمعلمين، يحدد أربعة مستويات للتقدم المهني: المعلم المبتدئ، المعلم المتمكن، المعلم المتميز، المعلم الخبير. وكل مستوى يتطلب إثباتات واضحة على تحقيق الكفايات المطلوبة، وتقييمًا موضوعيًا من قبل لجان مستقلة (Australian Institute for Teaching and School Leadership, 2024, p. 22).
وقد أسهم هذا النظام في تحفيز المعلمين على الاستمرار في التطور المهني، وفي الاحتفاظ بالمعلمين المتميزين في الفصول الدراسية بدلًا من هجرتهم إلى الإدارة أو خارج المهنة أو نزوحهم خارج أسوار أوطانهم وبلادهم.
وبيد أن هناك تجربة أخرى جديرة بالدراسة والبحث والتحليل، وهي تجربة اليابان التي تركز على ثقافة "كايزن" (التحسين المستمر) في التعليم. ففي اليابان، يُنظر إلى المعلم على أنه متعلم مدى الحياة، وتُعد برامج التطوير المهني جزءًا لا يتجزأ من ثقافة المدرسة. فالمعلمون اليابانيون يقضون جزءًا كبيرًا من وقتهم في "دراسة الدروس" (Lesson Study)، وهي منهجية تعاونية لتطوير التدريس يقوم فيها مجموعة من المعلمين بتصميم درس، ومشاهدته أثناء تنفيذه، وتحليله معًا، وإعادة تصميمه بناءً على ما تعلموه. وقد أثبتت هذه المنهجية فعاليتها في تحسين ممارسات التدريس، وخلق ثقافة تعلم مهنية مستدامة (Lewis & Tsuchida, 2023, p. 67). وتجدر الإشارة هنا إلى أن اليابان تولي اهتمامًا كبيرًا بالحافز المعنوي للمعلمين؛ حيث يحظى المعلمون باحترام اجتماعي كبير، ويُعتبرونهم قدوة للأجيال، كما تحرص المدارس على توفير بيئة عمل داعمة وتعاونية (Hargreaves & Fullan, 2022, p. 134).
وأما في العالم العربي، فتبرز تجربة الإمارات العربية المتحدة كأحد النماذج الواعدة في إصلاح التعليم وإعداد المعلمين المؤهلين لرسالة التعليم. فقد أطلقت الإمارات في العقدين الأخيرين سلسلة من المبادرات والمشاريع التطويرية الطموحة، من أبرزها تأسيس مجلس أبو ظبي للتعليم، ثم تحويله إلى دائرة التعليم والمعرفة، وإنشاء أكاديمية الشارقة للتعليم التي تهدف إلى تطوير أداء المعلمين وإعدادهم وفق أفضل المعايير العالمية. كما تم إطلاق جائزة خليفة التربوية التي تهدف إلى تكريم المعلمين المتميزين والمبدعين، وتحفيزهم على مواصلة العطاء والإبداع (وزارة التربية والتعليم الإماراتية، 2024، ص 23). وقد أسهمت هذه الجهود في تحسن ملحوظ في مؤشرات جودة التعليم في الإمارات، وفي جذب كفاءات شابة إلى مهنة التعليم.
كما تشهد المملكة العربية السعودية حراكًا إصلاحيًا كبيرًا ومستمرًا في مجال تطوير منظومة التعليم، في إطار رؤية المملكة 2030. فقد تم إنشاء هيئة تقويم التعليم والتدريب، التي تتولى مسؤولية تقويم برامج إعداد المعلمين، واعتمادها وفق معايير وطنية متطورة ومبتكرة. كما تم إطلاق برامج تطوير مهني مكثفة للمعلمين، وإنشاء أكاديمية المعلمين التي تهدف إلى تأهيل المعلمين وتطوير أدائهم باستمرار. وقد أظهرت المؤشرات الأولية في الواقع التعليمي تحسنًا في مخرجات التعليم وفي رضا المعلمين عن مهنتهم (وزارة التعليم السعودية، 2024، ص 18). ومن الجدير بالذكر أن هذه التجارب العربية الواعدة تؤكد أن الإصلاح التربوي ليس مستحيلًا فقط، بل يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة، واستثمار حقيقي في الموارد البشرية، وتضافر جهود جميع أطراف العملية التعليمية.
وفي هذا السياق، لا يسعنا إلا أن نفتخر بالتجربة العُمانية الرائدة في ميدان التعليم العام والعالي، التي تسير بخطى ثابتة ومدروسة نحو تحقيق الريادة والتميز وفي ظل رؤية عُمان 2040 ، وتحت وحي قانون التعليم المدرسي الصادر بالمرسوم السلطاني رقم: (31/ 2023م)، وقانون التعليم العالي الصادر بالمرسوم رقم: (27/ 2023م)، وفي هدي وثيقة منظومة الإطار الوطني للمؤهلات (Oman Qualifications Framework “OQF”) ، والتي تعد أداة استراتيجية شاملة معتمدة من الهيئة العُمانية للاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم لتصنيف المؤهلات التعليمية والتدريبية عبر عشرة مستويات، تغطي المسارات الأكاديمية، التقنية، المهنية، والاحترافية. والذي يهدف إلى توحيد معايير المخرجات، وتعزيز جودة التعليم المدرسي والعالي، وتسهيل مواءمة المؤهلات الأجنبية والاحترافية.
إن سلطنة عُمان، منذ عصر النهضة المباركة بقيادة المغفور له السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- وتبعه في ذلك حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- أولت التعليم بلادنا أولوية قصوى، وجعلته ركيزة أساسية في بناء الإنسان العُماني القادر على مواكبة متغيرات العصر. وقد توجت هذه الجهود بإنشاء جامعة السلطان قابوس في عام 1986، لتكون منارة علمية رائدة، تستقطب الكفاءة الفاعلة من أبنائنا الطلبة النجباء، وتخرج كفاءات وطنية رائدة في مجال حوكمة التعليم وتطوير نظمه، ومنذ ذلك الحين والعُمانيون يواصلون مسيرتهم التعليمية بكل اقتدار، في ظل النهضة المتجددة.
وفي مجال إعداد المعلمين، أنشأت سلطنة عُمان كلية التربية بجامعة السلطان قابوس التي تعد صرحًا أكاديميًا متميزًا، تخرج منها آلاف المعلمين المؤهلين تأهيلًا علميًا وتربويًا رفيعًا. ولم تكتفِ عُمان بذلك، بل أنشأت حينها كليات تربوية عديدة في مختلف محافظات السلطنة، لضمان توزيع الفرص التعليمية بشكل عادل، ولتلبية احتياجات سوق العمل من الكوادر التربوية المؤهلة.
وفي مجال التعليم العالي، تواصل سلطنة عُمان مسيرتها التنموية بافتتاح جامعات وكليات حكومية وأهلية متخصصة، تسهم في إعداد الكوادر الوطنية في مختلف المجالات. التي تواكب أحدث التوجهات العالمية في التعليم العالي. كما تم إنشاء الهيئة العُمانية للاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم لضمان جودة مخرجات التعليم العام والعالي، واعتماد البرامج الأكاديمية وفق معايير دولية صارمة. وقد حظيت السلطنة بإشادات دولية متعددة من منظمات مثل اليونسكو والبنك الدولي واليونيسف، تقديرًا لجهودها المخلصة في تطوير التعليم، وتحقيقًا لمستهدفات رؤية عُمان 2040 التي جعلت من "تعليم متميز" أحد أولوياتها الاستراتيجية.
وإذا تأملنا لتلك التجارب الدولية والعربية الرائدة، إلى جانب التجربة العُمانية التي تعتبر حلقة فخر واقتدار، نستخلص عدة دروس وعبر يمكن أن تشكل خارطة طريق لإصلاح التعليم وكليات التربية في عالمنا العربي.
أولها: أن الاستثمار في المعلمين هو أعلى عائد استثماري، وأفضل عمل أنساني، وأن الدول التي جعلت من إعداد المعلمين أولوية قصوى كانت هي الدول التي تصدرت أعلى مؤشرات التعليم العالمية.
ثانيها: أن إعداد المعلم لا ينتهي بتخرجه من كلية التربية، بل هو عملية مستمرة وممتدة مدى الحياة، تحتاج إلى أنظمة مؤسسية تدعم التطوير المهني الفعلي المستمر. ثالثها: أن المساءلة المهنية هي الوجه الآخر للتقدير المهني، ولا يمكن أن يقوم أحدهما دون الآخر فهما وجهان لعملة واحدة.
رابعها: أن هيئات الترخيص المهني المستقلة تلعب دورًا محوريًا في ضمان الجودة والمساءلة، في إطار استعادة ثقة المجتمع في مهنة التعليم.
خامسها: أن مكانة المعلم في المجتمع لا تعود بالقوانين واللوائح وحدها، بل بالاحترام الحقيقي الذي يظهر في المكافآت، والعطايا الدورية المجزية والبيئة الداعمة للابتكار والإبداع، والمشاركة في صنع القرار في الحقل التربوي.
سادسها: أن الإصلاح التربوي يحتاج إلى صبر وأناة، وطول نفس، فهو مشروع ثقافي وحضاري طويل الأجل، لا يمكن أن يؤتي ثماره يانعة بين عشية وضحاها.
إنَّ العلم أمانة، والتعليم رسالة، والمعلم هو حامل هذه الأمانة وأداء هذه الرسالة يتطلب صبر ومثابرة. فإذا أردنا لأمتنا الحياة، فلنبدأ بمعلميها الأفاضل، ولنجعل من كليات التربية منارات رائدة تستشرف المستقبل المشرق، وتصنع أجيالًا قادرة على حمل الراية في زمن تتسارع فيه التحديات وتتصارع أبانه التقنيات الحديثة.
