د. غالية بنت عيسى الزبيدي
يأتي يوم الأحد كضيفٍ ثقيل الظل، يطرق أبوابنا دون استئذان، وكأنَّه لم يسمع بعدُ بميثاق الراحة الذي أبرمناه مع يومي الجمعة والسبت.
نستيقظ فيه على ارتباكٍ وجوديٍّ خفيف، لا هو بالحلم ولا هو باليقظة؛ حالةٌ بين بين، كأننا خرجنا لتوّنا من غيبوبةٍ لذيذة، وما زالت أطراف الروح مُعلّقةً في سرير الإجازة، تأبى النزول إلى أرض الواقع.
المنبّه في صباح الأحد ليس مجرد جهاز؛ إنه خصمٌ لدود، يمارس طقوس الإزعاج بنوعٍ من الشماتة الميكانيكية.
نطفئه مرةً، فيعود إلينا بثأرٍ مضاعف، كأنَّه يقول:
"قم، فقد انتهت الحكاية الجميلة".
نُحاول أن نفاوض الوسادة، نستجديها دقائق إضافية، لكنها تدفعنا دفعاً نحو يومٍ طويلٍ.
نغادر المنزل بخطى مترددة، نصفنا لا يزال هناك، قرب كوب القهوة الذي لم يُشرب، والنصف الآخر يسير مُكرهاً في شوارع تزدحم بوجوهٍ تشبهنا؛ وجوهٌ لم تُصدّق بعد أن الأسبوع قد بدأ.
الطريق في هذا اليوم ليس طريقاً عادياً، بل مسرحٌ للفوضى المنظمة:
إشاراتٌ تتآمر على استعجالنا، ومركباتٌ تسير ببطءٍ فلسفيٍّ يثير الريبة، وكأنَّ الجميع متواطئون على تأخير هذه البداية غير المرغوبة.
أما الازدحام، فهو ملحمةٌ يومية، تتجلّى فيها معاناة الإنسان المعاصر.
كل سيارةٍ تحمل حكاية مقاومة صامتة، وكل سائقٍ يحدّث نفسه بسلسلةٍ من الأسئلة الوجودية: "هل هذه حياتي حقاً؟ ألهذا الحدّ أنا مستيقظ؟ أم أنني ما زلت في حلمٍ طويلٍ لا يُريد أن ينتهي؟"
وحين نصل أخيراً أو نظن أننا وصلنا تبدأ مأساة المواقف.
نبحث عن موقفٍ كما يبحث الرحّالة عن واحةٍ في صحراء قاحلة.
ندور وندور، حتى يخيل إلينا أننا في طقسٍ دائريٍّ بلا نهاية، وكأن الأرض قد ضاقت فجأةً بكل سيارات العالم.
وحين نظفر بموقفٍ بعيد، نشعر بانتصارٍ صغير، يشبه الفوز في معركةٍ لا نعلم سببها.
ندخل إلى العمل ونحن نحمل بقايا الدهشة، نلقي التحية بصوتٍ متثاقل، ونجلس على مكاتبنا وكأننا نختبر حقيقة الأشياء:
هذا الحاسوب، هذه الأوراق، هذا الضوء البارد... هل هي حقاً هنا؟ أم أننا ما زلنا في حلمٍ طويلٍ عنوانه: "الأحد"؟
وفي زحمة هذا الثقل، يمرّ طيف يوم الخميس، خفيفاً كنسمةٍ من فرح.
نتذكره كيف كان قصيراً، كريماً، مليئاً بالوعود الصغيرة.
كان يبتسم لنا ونحن نغادر، كأنما يقول: "اصبروا، سأعود".
أما الأحد، فيقف في الجهة الأخرى، يلوّح لنا بجدولٍ مزدحم، وساعاتٍ طويلة، وواجباتٍ ثقيلة.
ومع ذلك، نمضي.
نُتمّ يومنا كما يُتمّ العابر طريقه في عاصفة، نُجاري الساعات حتى تَلين، ونقنع أنفسنا أن في هذا التعب معنىً خفياً، وأن الأحد - على ثقله –
ليس سوى بدايةٍ لا بد منها، كي يكون للخميس ذلك البريق المستحق.
وهكذا، يبقى يوم الأحد في طريقنا، ليس كعقبةٍ فقط، بل كمرآةٍ ساخرة، تعكس هشاشتنا أمام الراحة، وقوتنا في العودة رغم كل شيء.
ومع ذلك، وعلى الرغم من ثقل يوم الأحد وما يحمله من وطأة البدايات، فإننا نُصافحه في النهاية برضا العارفين بأن لا إنجاز يُولد من رحم الراحة، ولا الأوطان تُبنى إلا بخطى الذين نهضوا رغم تعبهم.
فالأحد - وإن بدا شاقا - يستحق أن نحبّه، لأنه البوابة التي نعبر منها نحو العمل، ونحو المعنى، ونحو ما نتركه خلفنا من أثرٍ يليق بنا وبأوطاننا.
