انحنى قلمه وظهره ولم يبلغ الرشد

 

 

 

عائض الأحمد

من منّا لم يندم على كلمة أو فعل أفضى إلى أذى الغير؟ نحن بشر؛ نُخطئ ونُصيب، نفرح يومًا ونغضب أيامًا. تلك طبيعتنا، فما الجديد في حديثٍ يُعيد بعضه بعضًا؟

اللافت ليس الخطأ، بل أولئك القلّة كثيرو الظهور؛ يلوكون حقدهم، وينشرون كذبهم، ويُسطّحون أفكار جيلٍ كامل، وكأن الأجيال السابقة لم تعد تكفيهم لبثّ تعصّبهم المقيت. يخلقون قصصًا وهمية تصل إلى أصحاب الشأن، فلا يجدون أمامها سوى الضحك.

قال لي أحدهم يومًا: «حين أكون في ضيق وأبحث عن ابتسامة، أستمع إلى بعض من يُسمّون أنفسهم نقّادًا، فأحمد الله على نعمة العقل، وبلاغة اللسان، وحُسن السيرة».

يظنّ أحدهم أن ظهوره يُغني عن المعنى، وأن كثرة الصراخ تُقيم حُجّة، ولا يدري أن النقد لا يولد من السخرية، ولا يُبنى على التهكّم؛ فالسخرية عجزٌ متنكّر، وليست موقفًا. يُخاصم الفكرة قبل أن يفهمها، ويُدين النيّة قبل أن يسأل عنها، فإذا واجهته الحقيقة، توارى خلف ضحكةٍ جوفاء وظنّها وعيًا.

أما القلم، فلا ينحني إلّا حين يُرهَق، ولا يصمت إلّا حين يرى أن الصمت أبلغ من مجاراة العبث.

والرشيد من يمسك لسانه، ويحذر مغبّة استحسان التقاط عثرات البشر؛ فالعمل أَولى بالنقد، أما الأشخاص، فتلك سقطات لا يفعلها إلّا من اختلّ ميزانه وظلّ مائلًا… ولو ظنّ نفسه قائمًا.

خمسون عامًا قد تمرّ على المرء ولا تترك حكمةً واحدة؛ فتدرك حينها أن القلم لم ينحنِ تعبًا، بل خجلًا، وأن الظهر لم يُثقله الزمن، بل أثقلته الكلمات حين خرجت بلا قيمة.

فليس كل من تقدّم في العمر نضج، ولا كل من علا صوته امتلك حقّ النقد؛ وحده من احترم المعنى استقام قلمه، وبقي ظهره مرفوعًا، ليكون حضوره أثرًا، لا ضجيجًا يُرهق العقول ويُثقل القلوب.

لها: ظهورك المخجَل علامة تراجع، قد تقصيك أو تعيدك إلى مربعك الأول.

شيء من ذاته: الصمت أبلغ أثر، وأكثر وضوحًا حينما تخلط الأوراق لإظهار النتائج.

نقد: العزيز صفة لمن نأى بنفسه وفكره عن أمثال هؤلاء.

الأكثر قراءة

z