د. سليمان البلوشي
يأتي مايو، فلا يمرّ كما تمرّ الشهور، ولا يدخل على القلب خفيفاً كما كانت الأيام من قبل.. يأتي مثقلا بما تركه في الروح من وجع، محمّلا بذكرى لا يبهت لونها، ولا يخفّ وقعها مهما حاول الزمن أن يربّت على الأكتاف المتعبة.
في مايو تبدّل معنى الوقت، وصار التاريخ بابا يُفتح على الغياب، وصارت الأيام تُقاس بما قبل الفقد وما بعده، فمن ذاق فقد العزيز يعلم أن العمر لا يبقى عمرا واحدا، بل ينقسم إلى نصفين: نصف كانت فيه الروح عامرة بوجود من نحب، ونصف آخر نحياه ونحن نتعلّم كيف نمضي وفي القلب موضع مكسور.
في هذا الشهر رحل مروان... ابني، ونور عيني... رحل في عمرٍ كانت الحياة تفتح له أبوابها، وكانت الأحلام تقف على أعتاب مستقبله، كان يحمل علما وطموحا، ويخطّ طريقه بخطوات واثقة، ويستعد للعودة إلينا، إلى البيت الذي ينتظر صوته، وإلى الوجوه التي كانت تتهيأ لاستقباله، وإلى فرحة العيد التي كنا نظن أنها ستكتمل بحضوره.
لكن بين انتظارنا وعودته، كان قدر الله قد كُتب... وفي لحظة واحدة تغيّر كل شيء.
توقفت أشياء كثيرة في الداخل، وإن استمرت الحياة في الخارج كما هي.
ومنذ ذلك اليوم، أدركت أن بعض الأخبار لا تُسمع بالأذن فقط، بل تنزل على القلب نزولا يبدّل ملامحه إلى الأبد.
ليس في الدنيا ما يوجع كفقد من نحب، لا لأنهم يغيبون عن النظر فحسب، بل لأنهم كانوا جزءا من معنى الحياة نفسها... كانوا تفاصيل البيت، ونبض الأيام، وعادة القلب في الفرح والاطمئنان، فإذا رحلوا، بقيت الأشياء كما هي في ظاهرها، لكنها لا تعود كما كانت أبدا!
ومع هذا الوجع كله، نقف أمام أقدار الله بخشوع المؤمن... نعلم أن الله أرحم بنا من أنفسنا، وأن ما يختاره لعباده ليس عبثا، وإن عجزت عقولنا عن فهم حكمته.
ليست كل الأسرار تُكشف لنا، ولا كل الأحزان نفهم سببها، لكننا نؤمن أن وراء كل قدر حكمة، ووراء كل منع لطفا خفيا، ووراء كل ألم أجرا يدّخره الله للصابرين.
نحن بشر، نتألم ونشتاق ونبكي، وتهزمنا الذكرى أحيانا، لكننا نعرف أيضا أن الصبر ليس غياب الحزن، بل القدرة على حمله دون اعتراض، والثبات تحت ثقله دون انهيار، والرضا بالله وإن كانت العين دامعة، والقلب موجوعا.
يأتي مايو، فتعود معه التفاصيل التي لا يراها الناس... تعود ملامح الوجه، ونبرة الصوت، والضحكات العابرة، والأحاديث المؤجلة، والأماكن التي مرّ منها، والأمنيات التي كانت تنتظر عودته. يعود كل شيء دفعة واحدة، كأن الفقد حدث بالأمس، وكأن القلب لم يتعلّم بعد كيف يواجه هذا الغياب.
ومع ذلك، فإن من نحبهم لا يرحلون تماما... يبقون في الدعاء، وفي الأثر الجميل، وفي السيرة الطيبة، وفي كل قيمة غرستها أيامهم فينا، يبقون في زوايا البيت، وفي الذاكرة، وفي الدعوات الصادقة التي تخرج من قلب عرف الحب، وعرف الفقد معا.
ويأتي مايو هذا العام، لا حاملا للذكرى وحدها، بل حاملا أثرا جديدا من آثار مروان... وفي هذا الشهر كان من أثر مروان أن اكتمل كتابي "تسويق الأندية الرياضية"، ذلك العمل الذي كان له فيه نصيب جميل؛ إذ كان سببا في بعث فكرته، ومدّني ببعض المراجع من جامعته، وساعدني في ترتيبه، فكأن حضوره ما زال يرافقني في كل صفحة، وكأن غيابه لم يمنعه من أن يترك يده على هذا الإنجاز.
وهكذا يبقى مايو جامعا بين الدمع والامتنان، وبين الفقد والأثر، وبين ألم الرحيل وامتداد العطاء.
وأرفق مع هذه الكلمات غلاف الكتاب وصفحة الإهداء، لأنهما يحملان أثر مروان الذي كان سببا في هذا العمل، وبقي حاضرا بين صفحاته.
مروان؛ يا ابني الحبيب، ما غبت عن القلب يوما، ولا غادرت مكانك في الروح لحظة... نسأل الله أن تكون في نعيم خيرٍ من الدنيا وما فيها، وأن يبدلك دارا خيرا من دارك، وأهلا خيرا من أهلك، وحياةً لا حزن فيها ولا فراق.
وسيأتي مايو كل عام محمّلا بما لا يُنسى... لكنه سيأتي أيضا شاهدا على حب لا ينطفئ، وعلى صبر نستمده من الله، وعلى يقين بأن اللقاء الحق ليس هنا، بل هناك، حيث لا غرق، ولا فراق، ولا دمعة أخيرة.
