صُور.. سيدة الملاحة البحرية

 

محمد بن سلطان الساعدي 

تشكل الزيارة السامية لمولانا السلطان هيثم بن طارق حدثًا مهمًا سيظل حاضرًا في ذاكرة المكان، ليس بوصفه مناسبة عابرة، بل محطة تعزز مسار التنمية وتؤكد الاهتمام المستمر بالمدن ذات العمق التاريخي والدور الحيوي. وفي هذا السياق، تبرز ولاية صور بوصفها إحدى أبرز الحواضر البحرية في عمان، بما تمتلكه من إرث عريق وموقع استراتيجي جعلها عبر الزمن نقطة التقاء بين التجارة والثقافة والإنسان.

لقد عُرفت صور منذ قرون بأنها مدينة البحر المفتوح، حيث انطلقت منها السفن العمانية نحو سواحل شرق أفريقيا والهند، حاملة معها البضائع والقصص والعلاقات. ولم يكن هذا الحضور وليد الصدفة، بل نتاج معرفة متراكمة بالبحر، وصناعة متقنة للسفن، وروح مغامرة لدى الإنسان الصوري. واليوم، ومع هذه الزيارة السامية، يتجدد المعنى، ويُعاد التأكيد على أن هذه المدينة لا تزال قادرة على أن تكون جزءًا من الحاضر كما كانت في الماضي.

إن رمزية الزيارة تكمن في توقيتها ودلالاتها، فهي تأتي في مرحلة تسعى فيها السلطنة إلى تعزيز التنويع الاقتصادي، وتفعيل دور المحافظات في دفع عجلة التنمية. ومن هذا المنطلق، تمثل صور نموذجًا يمكن البناء عليه، خصوصًا في القطاعات المرتبطة بالاقتصاد البحري، مثل الصيد، والنقل البحري، والسياحة الساحلية. وهي مجالات تمتلك فيها الولاية مقومات طبيعية وبشرية تؤهلها لتحقيق نتائج ملموسة إذا ما تم استثمارها بشكل مدروس.

ولا يمكن الحديث عن صور دون الإشارة إلى معالمها التي تعكس هويتها البحرية، ومن أبرزها خور البطح الذي يشكل شريانًا مائيًا حيويًا، ومصنع السفن التقليدية في العيجة حيث لا تزال الحرفة القديمة حاضرة، تُمارس بأدوات بسيطة وخبرة متوارثة. هذه المواقع وغيرها تمثل قيمة مضافة يمكن توظيفها ضمن مشاريع سياحية وثقافية تعزز من حضور صور على خارطة السياحة المحلية والدولية.

كما أن البعد الاجتماعي للزيارة لا يقل أهمية، إذ تعكس قرب القيادة من المواطن، وحرصها على الاطلاع المباشر على احتياجاته وتطلعاته. وهذا التواصل يخلق حالة من الثقة المتبادلة، ويمنح المجتمع دافعًا أكبر للمشاركة في مسيرة البناء، كلٌ من موقعه. وفي صور، حيث تتسم العلاقات الاجتماعية بالتماسك والبساطة، تتجلى هذه المعاني بشكل واضح.

ومن زاوية أخرى، فإن الزيارة تمثل فرصة لإعادة قراءة التحديات التي تواجه الولاية، سواء على مستوى البنية الأساسية، أو الخدمات، أو فرص العمل. وهي تحديات طبيعية في أي مدينة تسعى للنمو، لكنها تحتاج إلى معالجة متوازنة تضمن استدامة التنمية دون الإخلال بخصوصية المكان. وهنا يبرز دور التخطيط القائم على فهم دقيق للواقع، والاستفادة من الخبرات المحلية، وتوجيه الموارد نحو أولويات واضحة.

ولا يغيب عن المشهد الدور الثقافي الذي يمكن أن تضطلع به صور، فهي ليست مجرد ميناء، بل بيئة غنية بالحكايات والتراث الشفهي والفنون البحرية. ويمكن لهذا الجانب أن يكون رافدًا مهمًا في تعزيز الهوية، وجذب المهتمين بالثقافة والتاريخ، إذا ما تم تقديمه بطريقة حديثة تحافظ على أصالته وتواكب تطلعات الزوار.

إن الحديث عن “سيدة الملاحة البحرية” ليس وصفًا أدبيًا بقدر ما هو توصيف لواقع تاريخي، حيث كانت صور مركزًا للخبرة البحرية، ومصدرًا للمعرفة التي انتقلت عبر الأجيال. واليوم، ومع المتغيرات الحديثة، يمكن لهذا اللقب أن يستمر، ولكن بصيغة جديدة تعتمد على التعليم والتدريب والتقنيات الحديثة، إلى جانب الحفاظ على الإرث القديم.

وفي المحصلة، فإن الزيارة السامية تمثل دفعة معنوية وتنموية لولاية صور، وتؤكد أن المدن التي تمتلك تاريخًا عميقًا يمكن أن يكون لها مستقبل واعد إذا ما تم التعامل مع هذا التاريخ بوصفه نقطة انطلاق لا مجرد ذكرى. وبين البحر الذي لا يزال يفتح أفقه كل صباح، والإنسان الذي يواصل العمل بصمت، تبقى صور مدينة قابلة للنمو، مستندة إلى ماضيها، ومتجهة بثقة نحو ما هو قادم.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z