العقيدة الإيرانية في التفاوض

 

 

 

قراءة تحليلية في ضوء المفاوضات الإيرانية الأمريكية

 

د. سلطان بن سالم العيسائي

تُعدّ المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة أحد أكثر الملفات تعقيدًا في النظام الدولي المعاصر، نظرًا لتداخل البُعد الأيديولوجي مع الاعتبارات الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية، وفي ظل جولات التفاوض المتقطعة حول البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، وترتيبات الأمن الإقليمي، تبرز أهمية فهم "العقيدة الإيرانية في التفاوض" بوصفها إطارا ذهنيا واستراتيجيا يحكم سلوك صانع القرار الإيراني، ويؤثر في طبيعة الخطاب السياسي وأدوات المناورة وحدود التنازل.

تنطلق العقيدة التفاوضية الإيرانية من مرجعية ثورية- سيادية تشكلت عقب قيام الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979؛ حيث ترسخت مفاهيم الاستقلال السياسي ورفض الهيمنة الخارجية بوصفها محددات عُليا للسلوك الخارجي، ومن ثمّ، فإن التفاوض في المنظور الإيراني لا يُفهم بوصفه تنازلًا عن المبادئ، بل أداة من أدوات إدارة الصراع ضمن استراتيجية "الصمود والمقاومة".

وتتسم المقاربة الإيرانية بسمات تفاوضية واضحة، من أبرزها مبدأ "التدرّج المشروط"؛ أي ربط كل خطوة بخطوة مقابلة، وعدم تقديم التزامات أحادية الجانب، وقد تجلّى ذلك بوضوح في تجربة عام 2015، حين أصرت طهران على آلية رفع تدريجي للعقوبات مقابل قيود محددة على برنامجها النووي، كما أن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق عام 2018 عزَّزَ في الوعي التفاوضي الإيراني فكرة "عدم الثقة" في الالتزامات الأمريكية، وهو ما يفسر إصرار طهران في أي مسار تفاوضي لاحق على ضمانات تنفيذية وقانونية أكثر صلابة.

من زاوية نظرية، يمكن قراءة السلوك التفاوضي الإيراني في إطار مقاربات "التفاوض الصراعي" أو ما يسمى بالإنجليزية (adversarial bargaining)؛ حيث يُستخدم عامل الزمن بوصفه أداة ضغط، ويُدار التصعيد العسكري أو الإقليمي ضمن سقوف محسوبة لتحسين شروط التفاوض، فإيران غالبًا ما توظف أوراقها الإقليمية- في الخليج وبلاد الشام واليمن- لتعزيز موقعها التفاوضي، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تُفقدها القدرة على المناورة.

كما تتسم العقيدة التفاوضية الإيرانية بتعدد مراكز التأثير داخل النظام السياسي؛ إذ لا ينفصل القرار التفاوضي عن توازنات المؤسسة الدينية- السياسية، والحرس الثوري، والحكومة التنفيذية، هذا التعدد يُنتج أحيانا خطابا مزدوجا؛ خطابا متشددا للاستهلاك الداخلي، وخطابًا مَرِنًا على طاولة التفاوض، ومن وجهة نظري المتواضعة هذا التباين لا يعني غياب الاستراتيجية؛ بل يعكس توزيع الأدوار وتعزيز موقع إيران التفاوضي عبر إظهار حدود القدرة على التنازل.

وفي ظل المفاوضات الإيرانية- الأمريكية الراهنة، يمكن ملاحظة استمرار هذه الثوابت مع تطور في الأدوات؛ فطهران تسعى إلى ربط الملف النووي بحزمة أوسع من القضايا، تشمل: رفع العقوبات المالية والنفطية، وضمانات بعدم الانسحاب الأحادي من أي اتفاق مستقبلي، كما تراهن على تحولات النظام الدولي وتنامي علاقاتها مع قوى كبرى في آسيا لتخفيف وطأة الضغوط الغربية، بما يمنحها هامشا تفاوضيا أوسع.

إنَّ فهم العقيدة الإيرانية في التفاوض لا يمكن حصرها في البُعد الأيديولوجي وحده؛ فهي في جوهرها مزيج مُركَّب من الهُوية الثورية، والحسابات الأمنية، وإدارة التوازنات الإقليمية، واستثمار الزمن كأداة استراتيجية. وعليه، فإن أي مسار تفاوضي مستقبلي بين طهران وواشنطن سيظل محكومًا بمعادلة دقيقة: تقديم تنازلات دون المساس بالثوابت السيادية، والسعي إلى مكاسب اقتصادية دون التفريط بأدوات الردع الإقليمي.

وفي المُجمَل.. يمكن القول إنَّ العقيدة الإيرانية في التفاوض تعكس رؤية دولة تعتبر نفسها في حالة صراع طويل الأمد مع بنية دولية غير متكافئة، ومن ثمّ، فإن التفاوض بالنسبة لإيران ليس نهاية للصراع؛ بل مرحلة من مراحله، تُدار بمنطق استراتيجي طويل النفس، يقوم على الصبر، والمقايضة المرحلية، والحفاظ على أوراق القوة إلى أقصى مدى ممكن.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z