مُزنة المسافر
ماذا تُسمِّي نفسك وسط الركام والفوضى يا أراجوز؟ من خلقها؟ من جعلها تتعالى إلى فوق؟ لتُهلك السيرك، وتنهي وصاله الكبير مع الجمهور، إنك ربما المسؤول، أن الكارما تتبعك، وأن ظل عمي رجب يلازمك وضمير شكشك خلفك تمامًا، وروح دلولة تواظب على زيارتك بين الفينة والأخرى.
خذ حقيبتك، ضع فيها حاجياتك واستقل حافلة أو شاحنة.
أجلس وسط الناس، وتفاخر بأنك ابن الحاج رجب سليمان.
الذي جعل منك يا أراجوز إنسان، يتحرك ويشعر، بعصا وأحيانًا بخيوط غير واضحة، انظر ليديك
هي يد مصنوعة من قطن وخيوط، وليست من شحم أو لحم.
إنك مصنوع!
أنت والطرطور الذي يقف فوق رأسك، وشاربك الطويل اليوم هو من وحي الخيال أصلًا، أنت من مخيلة عمي رجب، صرت فجأة كائنًا حيًا يتحرك، يتشقلب، يتدهور ويتهور ليهمل الإنسان الذي جعل منه مضحكًا، يُضحك الناس ويحبس الأنفاس بنكاته اللانهائية.
وبعد كل هذا، حدث ما حدث، وكتبت الحياة لعوض النسناس عوضًا مختلفًا بأن يعيش في حديقة الحيوان، أما البهلوان فقد دخل السجن بعد أن أشاع الفوضى والهوان بحيوات البشر، وصاحب السيرك لملم بقايا الخيمة التي نامت على الأرض لأيام طويلة، أسفل مطر بعد نار.
أما أنت يا عيني، مصيرك مجهول، لأنك كنت المشغول، بماذا ستكون؟
فماذا أنت يا أراجوز؟
إنسان أو دمية تحركها الأقدار، بين ليل ونهار.
الله العالم الستار، بما تضمره من أسرار.
من تلك العمارة التي يسكن فيها عمي رجب، نرى أحدهم يبصق، إنه شكشك، يعاني من المرض، هل هي الحموضة من جديد؟، تدغدغ بطنه، لكنه يصير بخير حين يرى الأرجواز، وهو يخرج من حافلة وقفت للتو.
يريد شكشك أن يصرخ لكنه عليل.
وصوته قد لا يُسمع.
وقف الأراجوز أمام باب شقة عمي رجب، وهنا ضغط على الجرس، ليقول الجرس ببساطة شديدة: رن رن، ثم أضاف الجرس: ررررن رررررن رن.
من خلف الباب، حسن الشطور يتقصَّى، يفتح الباب، ويرحب.
حسن الشطور: صباح الفل!
الأراجوز: صباحك قشطة يا حسن.
حسن: وعارف اسمي كمان، لا يكونش إنته الأراجوز!
الأراجوز: أيوا هوه الأراجوز يا جدع أنت، عايز أخش!
بينما جلبة في هواء الحي، أحدثها حلمي السكران، حين ردد للجميع وهو طبعًا سكران:
حلمي السكران: حزروا فزروا مين الِّي رجع؟
هل هذا سؤال للغائبين عن الوعي؟ أم للناسين لمعنى السعي.
سؤال تغلفه الروائح الكريهة، أو سؤال يُسأل ببراءة للمحبين، للمنتظرين لأن يلوح الأراجوز لأحدهم، وهل المقصودة دلولة مثلًا؟
دلولة سرحة، تتأمل بطلة الفيلم الأبيض الأسود، إنها هند رستم، تعبر في مشهد رومانسي عن شعورها العميق تجاه البطل، شربات من خلف الغسالة التي تُصدر أزيزًا مزعجًا لتُفسد تركيز دلولة في ما تبقى من الفيلم، تسأل شربات بسذاجة:
شربات: وهو أتجوزها؟
دلولة: لسه مش عارفة، بس البطلة أمورة، ما يتجوزهاش ليه!
شربات: عشان السيما، كلها كده نكد وحزن، وحدوتة ما بتخلصش إلا بشتيمة وقتيلة.
دلولة: البطلة أمورة أوي، حيجي يوم وأبقى زيها.
كيف يا دلولة؟ وملابس مسرح الدمى تلاحقك بخيوط متهالكة وأزرار بالية، عتيقة، لا يمكن أن تكون هذه الفساتين لنجمة سينما، إنكِ يا حبيبتي من البقاع القديمة.
العالم يحتاج لأن يرى أحمر الشفاه، والغرة المتموجة، والدبوسة المتصيدة للمعجبين، فإن وقعت تلك الدبوسة، تُوقع أهل شارع بأكمله، كقطع الدومينو، ضومنة تقع أمامك في خط مستقيم.
واسألي يا عزيزتي، إن كان هذا هو السحر غير المنتهي، هل هو فعلًا؟، من يدري؟!
