أ.د. عبدالرزاق محمد الدليمي
سألني عدد من الإخوة عن كيفية فهم واستيعاب أسرار الأدوار والسياسات التي تتبعها سلطنة عُمان في هذا المحيط المتلاطم بالأمواج الملتهب بنيران الأزمات؛ ففي قلب العواصف الجيوسياسية التي تضرب منطقة الشرق الأوسط، تبرز سلطنة عُمان ككتلة من الهدوء الرصين ليس صدفةً؛ بل نتيجة عقيدة سياسية متجذرة تُعرف بالحياد الإيجابي.
ومع تصاعد التوترات في مضيق هرمز الذي كان وما يزال وسيبقى الشريان التاجي للاقتصاد العالمي الذي تشرف عليه السلطنة مناصفة مع إيران.
هنا يطرح السؤال نفسه: أين تقف مسقط مما يحدث؟ وكيف تدير نصيبها من مسؤولية الممر الأكثر خطورة في العالم سيما في ظل هذه الأزمات؟!
أولًا: الجغرافيا كقدر والملاحة كمبدأ
تمتلك عُمان الأفضلية الجغرافية في مضيق هرمز؛ فبرغم أن العرض لا يتجاوز 33 كيلومترًا، إلّا أن ممرات الملاحة العميقة الصالحة لمرور ناقلات النفط العملاقة تقع بالكامل ضمن المياه الإقليمية العُمانية. وهذا الوضع جعل من مسقط حارسًا أمينًا وهادئًا للمرور الدولي. وهنا تنتهج عُمان استراتيجية ذكية في فصل الملاحة عن السياسة؛ فهي تُدرك أن أي تعطيل للمضيق يعني انتحارًا اقتصاديًا جماعيًا، لذا تلتزم ببروتوكولات قانون البحار بدقة متناهية مبتعدة عن لغة التهديد بإغلاق المضيق التي قد تصدر من شريكتها في الضفة الأخرى. بالنسبة لعُمان المضيق أمانة ومسؤولية دولية وليس ورقة ضغط سياسي.
ثانيًا: الدبلوماسية خلف الكواليس
صوت العقل والحكمة فبينما تنشغل القوى الإقليمية والدولية بحشد الأساطيل، تنشغل عُمان بفتح أبواب قنوات الاتصال؛ فعُمان لم تغب أو تغيب كما يتصور البعض عما يحدث في المنطقة؛ بل هي المحرك القوي الصامت واللاعب الأساسي كعادة قياديها بعيدًا عن الأضواء والضجيج فهي تُفضِّل الأدوار الكبيرة في الغرف المغلقة. والقيادة في عُمان تعلم أن قوتها تكمن في كونها الطرف الوحيد الذي يثق به الجميع؛ حيث إنها مع إيران تحافظ على علاقات حسن جوار تاريخية تسمح لها بتأدية دور المطافئ عند وصول التصعيد إلى حافة الهاوية. ومع الغرب، تُعد عُمان شريكًا موثوقًا يضمن تدفق الطاقة العالمي دون الدخول في تحالفات عسكرية صدامية.
وهذا التوازن يجعل من مسقط صمام أمان يمنع تحول الاحتكاكات العابرة في المضيق إلى مواجهة شاملة. سلطنة عُمان هنا لا تختار الانحياز؛ بل تختار الوساطة الإيجابية الرصينة كأداة لحماية أمنها القومي المرتبط عضويًا باستقرار هرمز.
ثالثًا: التحديات الراهنة والسير على حبل مشدود
أمس واليوم وغدًا تعودت عُمان على أن تواجه التحديات المزدوجة؛ فالتحرشات بالسفن ودخول الحروب الهجينة كالطائرات المسيرة والألغام إلى معادلة المضيق، ترفع من وتيرة الضغوط على كفاءة المراقبة العُمانية. ومع ذلك ترفض مسقط عسكرة المضيق بشكل مفرط، وتدعو دائمًا بحكمة إلى أن يكون أمن المنطقة مسؤولية دولها بعيدًا عن التدخلات الخارجية التي قد تزيد من استقطاب المشهد.
رابعًا: الحارس الصامت
إنَّ موقع سلطنة عُمان مما يحدث ليس موقع المُتفرِّج كما يتصور البعض؟! بل هو أشبه بموقع المهندس المعماري للاستقرار؛ فالسلطنة تدرك حجمها الفعال بكونها شريكًا في الإشراف المباشر على مضيق هرمز، وهذا لا يعني أنها تستخدمه كسلاح؛ بل إنها تعي دورها الحيوي في حمايته كجسر وممر عالمي.
وفي ضوء ما تقدَّم، تظل السياسة العُمانية مُخلِصة لمبدئها التاريخي: لا ضرر ولا ضرار، وبينما يغلي المضيق بالبارود والتصريحات، تبقى قيادة عُمان متمسكة برصانتها، ومدركة أن القوة الحقيقية ليست في إغلاق الممرات وإثارة الزوابع؛ بل في القدرة على إبقائها مفتوحة أمام الجميع في عالم ومنطقة مهمة جدًا لا يحتملان المزيد من الأزمات.
إنَّ عُمان اليوم هي البوصلة التي تمنع السفينة الإقليمية العالمية من الغرق في لُجّة الصراعات الدولية.
