شواطئ المرأة.. مساحة للراحة لا الجدل

 

 

 

 

ما نحتاجه اليوم هو جسور ذكية تُقرّب المسافة بين الرغبة والواقع، وتمنح المرأة حقها في الاستمتاع بالصيف

 

شمسة الريامية

مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، يتحوّل البحر إلى ملاذٍ طبيعي يُخفّف عن الناس وطأة الحر، وتغدو الشواطئ متنفسًا مفتوحًا للجسد والروح معًا. الأمواج الباردة، نسيم المساء، واتساع الأفق الأزرق؛ كلها عناصر تشترك في صنع لحظة استجمام ينتظرها الكثيرون، غير أنّ هذا المشهد الصيفي الجميل لا يكتمل بالقدر ذاته لدى الجميع.

فالمرأة، التي تُشارك المجتمع شغفه بالبحر وحبه، تجد نفسها في كثير من الأحيان واقفة عند خطٍ غير مرئي، تراقب البحر عن بُعد، وتؤجّل رغبتها في السباحة والراحة، التزامًا بعادات وتقاليد متجذّرة تشكّل جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي. وبين احترام هذه القيم، وبين الحاجة الإنسانية الفطرية للترفيه والاستجمام، تبرز إشكالية تستحق الوقوف عندها.

ليست المطالبة بتخصيص شواطئ للمرأة دعوةً للعزل أو الاختلاف، بقدر ما هي محاولة لإيجاد مساحة آمنة ومريحة تُمارَس فيها أبسط حقوق الاستجمام دون حرج أو تضييق. مساحة تستطيع فيها المرأة أن تسبح، وتضحك، وتمارس الرياضة، وتستمتع بالماء والشمس كما يفعل غيرها، في بيئة تحفظ الخصوصية وتراعي الخصوصية الثقافية في آنٍ واحد.

إنَّ تخصيص شواطئ أو أوقات محددة للمرأة لا يمسّ القيم المجتمعية، بل يُعزّزها، لأنه يوفّق بين متطلبات العصر واحترام الموروث الاجتماعي. كما أنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن رفاهية المجتمع لا تكتمل إلا عندما تشمل جميع أفراده، رجالًا ونساءً، دون استثناء.

وقد أثبتت تجارب كثيرة، داخل المنطقة وخارجها، أن توفير مرافق مخصّصة للنساء يُسهم في رفع مستوى الرضا المجتمعي، ويُشجّع على نمط حياة صحي أكثر نشاطًا؛ فالسباحة ليست ترفًا، بل نشاط بدني له فوائد صحية ونفسية، خاصة في ظل الضغوط اليومية وتسارع وتيرة الحياة.

كما أن شواطئ المرأة يُمكن أن تتحول إلى فضاءات اجتماعية إيجابية، تلتقي فيها الأمهات، وتُلهم فيها الشابات، وتُخلق فيها ذكريات صيفية آمنة للأطفال. هي مساحات تُبنى فيها الثقة، وتُمارس فيها الحياة ببساطتها، بعيدًا عن قيود الشعور بالمراقبة أو القلق.

إنَّ الحديث عن شواطئ مُخصّصة للمرأة ليس قضية موسمية، تُطرح مع اشتداد الحر ثم تُنسى، بل هو نقاش أوسع عن جودة الحياة، وعن التوازن بين الخصوصية والانفتاح، وعن حق الإنسان- أيًّا كان- في أن يجد مكانه الطبيعي في فضاءات الترفيه العامة.

ومع اتساع الشواطئ وجمال السواحل التي تزخر بها بلادنا، فإنَّ تخصيص جزء منها أو تنظيم أوقات محددة لا يبدو مطلبًا صعب المنال؛ بل خطوة حضارية تعكس وعيًا باحتياجات المجتمع وتنوّعها.

يبقى البحر للجميع، لكن الطرق إليه قد تختلف، وما نحتاجه اليوم هو جسور ذكية تُقرّب المسافة بين الرغبة والواقع، وتمنح المرأة حقها في الاستمتاع بالصيف، كما تستحق، دون أن تضطر للاختيار بين ذاتها ومجتمعها.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z