أمل بنت سيف الحميدي **
يشهد العالم اليوم تحوّلًا جذريًا في فلسفة التعليم، حيث لم يعد التركيز منصبًا على الحفظ والتلقين بقدر ما أصبح موجّهًا نحو بناء التعلم العميق القائم على الفهم والتحليل والتطبيق. تشير دراسة فريمان وآخرون (2014) إلى أن هذا التحول مدفوع بنتائج أبحاث علمية واسعة أكدت أن مشاركة المتعلم في بناء المعرفة تعزز من قدرته على الاستيعاب طويل المدى وتطوير مهارات التفكير العليا. فقد أوضحت دراسة دونلوسكي وآخرين (2013) أن أسلوب الشرح الذاتي يُعد من التقنيات الفعّالة في تحسين تعلم الطلبة وأن التعلم النشط يُسهم في رفع مستوى الفهم والتحصيل الأكاديمي.
وفي هذا الإطار، يوضح تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2019)، نتائج برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA 2018) ما يعرفه الطلاب وما يمكنهم القيام به، أن تقييم التعلم لم يعد يقتصر على استرجاع المعرفة، بل يركز على قدرة الطلبة على توظيفها وتطبيقها في سياقات حياتية.
وفي ضوء هذا التحول نحو تقييم قائم على الفهم والتطبيق، تبرز استراتيجية فاينمان كأحد النماذج التطبيقية الفعَّالة التي تجسد مبادئ التعلم العميق بصورة عملية وبسيطة. ووفقًا ليونج (2019)، تُعرَّف استراتيجية فاينمان بأنها أسلوب يقوم على تبسيط المفاهيم من خلال شرحها بلغة واضحة كما لو كان المُتعلم يعلّمها لغيره، مع التركيز على كشف الفجوات المعرفية وإعادة بناء الفهم.
تقوم هذه الاستراتيجية على فكرة محورية مفادها أنَّ أفضل طريقة لفهم أي مفهوم هي القدرة على شرحه بلغة واضحة ومبسطة، وكأنَّ المتعلم يقدمه لشخص آخر. وتنسجم هذه الفكرة مع ما توصلت إليه دراسة تشي وآخرين (1994)، التي أظهرت أن الطلاب الذين مارسوا الشرح الذاتي أثناء تعلمهم لمفاهيم في الفيزياء حققوا فهمًا أعمق وأداءً أفضل مُقارنة بالطلاب الذين اكتفوا بقراءة الحلول دون تفسيرها. كما تدعمها نتائج دراسة فيوريلا وماير (2013)، التي أظهرت أن الطلاب الذين قاموا بشرح المحتوى للآخرين أو تعلّموه بهدف تدريسه حققوا فهمًا أعمق وتنظيمًا أفضل للمعرفة مُقارنة بغيرهم. وبذلك، فإنَّ استراتيجية فاينمان لا تُعد مجرد تقنية دراسية، بل تمثل تجسيدًا عمليًا لمبادئ علمية راسخة في التعلم.
وعند الانتقال إلى السياق الخليجي، نجد أنَّ دول المنطقة تبذل جهودًا ملحوظة لتطوير أنظمتها التعليمية بما يتماشى مع متطلبات الاقتصاد المعرفي. فقد أطلقت العديد من الدول رؤى وطنية طموحة تركز على تنمية رأس المال البشري وتعزيز الابتكار. ومع ذلك، لا تزال بعض التحديات قائمة، من أبرزها استمرار الاعتماد النسبي على أساليب التلقين في بعض البيئات التعليمية، وضعف التركيز على مهارات التفكير النقدي والتفسير. وهنا تبرز أهمية تبني استراتيجيات تعليمية عملية مثل استراتيجية فاينمان، التي يمكن أن تُسهم في تحويل العملية التعليمية من نقل المعرفة إلى بنائها. وفي هذا السياق، يُؤكد مركز ديريك بوك للتدريس والتعلم بجامعة هارفارد أن اعتماد أساليب التعلم النشط يُعزز من دور الطالب كمشارك فاعل في عملية التعلم.
وفي السياق العُماني، تتجلى أهمية هذا التوجه بشكل أكبر في ظل رؤية عُمان 2040، التي تضع التعليم في صميم أولوياتها، وتركز على إعداد جيل يمتلك مهارات التفكير والابتكار والقدرة على التعلم المستمر. وتسعى السياسات التعليمية في سلطنة عُمان إلى الانتقال نحو نماذج تعليمية حديثة تعزز الفهم العميق بدلًا من الحفظ. وفي هذا الإطار، يمكن لاستراتيجية فاينمان أن تلعب دورًا عمليًا في دعم هذه التوجهات، سواءً في الصفوف الدراسية أو في التعليم الجامعي أو حتى في التعلم الذاتي. فمن خلال تشجيع الطلبة على شرح المفاهيم بلغتهم الخاصة، يُمكن تعزيز قدرتهم على الاستيعاب وتحديد نقاط الضعف لديهم، وهو ما يتماشى مع التوجهات الحديثة في التدريس التي تروج لها مؤسسات تعليمية عالمية مثل جامعة ستانفورد. كما أن دمج هذه الاستراتيجية في الممارسات التعليمية اليومية يمكن أن يسهم في بناء متعلم مستقل وقادر على التفكير النقدي.
وعليه، يتضح أن التحول نحو التعلم العميق لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة العصر ومتطلباته. وتُعد استراتيجية فاينمان نموذجًا بسيطًا وفعّالًا يمكن من خلاله ترجمة المبادئ النظرية إلى ممارسات عملية داخل الصف وخارجه. ومع تزايد الاهتمام في دول الخليج، وفي عُمان تحديدًا، بتطوير التعليم بما يتماشى مع الرؤى المستقبلية، فإنَّ تبني مثل هذه الاستراتيجيات يمكن أن يشكل خطوة مُهمة نحو تحقيق تعليم قائم على الفهم الحقيقي لا الحفظ المُؤقت. إن الاستثمار في طرق التعلم التي تُعزز الشرح والتفسير لا يسهم فقط في تحسين التحصيل الأكاديمي، بل في بناء إنسان قادر على التعلم مدى الحياة، وهو الهدف الأسمى لأي نظام تعليمي حديث.
** كاتبة وباحثة تربوية
