أهمية وأهداف البنك الأفريقي العُماني

 

 

 

حيدر بن عبدالرضا اللواتي

haiderdawood@hotmail.com

تنوَّعت استثمارات جهاز الاستثمار العُماني خلال العقدين الماضين، وتفوّق في أدائه المالي ضمن صناديق الثروة السيادية في عدد من دول العالم سواء من حيث قيمة أصوله، أو في نوعية مشاريعه التي تدعم سياسة التنويع الاقتصادي ليصبح اليوم ضمن أفضل 3 إلى 5 صناديق من حيث الأداء في العالم.

وضمن مشاريعه الحديثه هو تأسيس أول بنك تجاري بين سلطنة عُمان وأنغولا، الدولة الأفريقية تحت اسم البنك الأفريقي العُماني (ABO) الذي سيكون مقره العاصمة لواندا. ويُعد هذا البنك أول مصرف يقام برأسمال عُماني ويدخل أسواق أفريقيا بجنوب الصحراء. والبنك الجديد عبارة عن جهاز عُماني استثماري عابر للحدود ومن أهدافه تمويل التجارة والاستثمار بين عُمان والقارة الأفريقية، ودعم الشركات العُمانية للتوسع في الأسواق الأفريقية، بجانب توفير منصة مالية تربط الشرق الأوسط بأسواق أفريقيا الصاعدة. ويأتي إنشاؤه في إطار رؤية عُمان 2040 لتعزيز الحضور الاقتصادي العُماني في الخارج، بالإضافة إلى تنويع مصادر الدخل.

وتأسيس هذا البنك جاء في أعقاب الزيارة الرئاسية للرئيس الأنغولي جواو لورنسو إلى مسقط قبل تأسيس البنك بأيام؛ حيث مثلت نقطة تحول مهمة في العلاقات الدبلوماسية الاقتصادية بين البلدين، وتحولت التفاهمات السياسية بسرعة إلى مشروع اقتصادي فعلي خلال أقل من عام، أي أن هذه الزيارة مهّدت لتأسيس مشروع مصرفي بين البلدين. وقد أشار صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية إلى أهمية هذا البنك، مؤكدًا أنه يُجسِّد نهج الدبلوماسية الاقتصادية التي يتبعها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- والرامية إلى تعزيز الحضور الاستثماري والاقتصادي لسلطنة عُمان على الصعيد الدولي، وتأكيد دورها في الربط بين الأسواق العالمية، وترسيخ مكانتها بوصفها جسرًا استثماريًا وماليًا يربط الشرق الأوسط بالأسواق العالمية الصاعدة، ومُستندةً في ذلك إلى ركائز الاستقرار والثقة والعلاقات الدولية الراسخة التي تتميّز بها.

وللبنك أهمية استراتيجية لعدة أسباب منها مساعدة السلطنة في تنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للدخل ودعم الشركات العُمانية خارجيًا، توفير تمويل لمساعدة الشركات العُمانية على دخولها الأسواق الأفريقية، بالإضافة إلى تعزيز المكانة المالية الإقليمية لعُمان. كما يساعد البنك في فتح أسواق جديدة؛ باعبتار أن أفريقيا تُعد من أسرع مناطق العالم من حيث النمو السكاني والاقتصادي، وتوفر فرصًا استثمارية جيدة وطويلة الأمد لتمويل مشاريع البنية الأساسية، ودعم التمويل التجاري والاستثماري، ونقل الخبرات المؤسسية والحوكمة المالية العُمانية، بالإضافة إلى جذب استثمارات خليجية إضافية إلى القارة السوداء.

البنك يمثّل شراكة اقتصادية استراتيجية طويلة المدى تقوم على عدة مبادئ مع أنغولا، ويهدف إلى إيجاد عملية التكامل، وليس الاعتماد على تقديم المساعدات الخارجية من خلال تقديم المنح بل العمل في استثمار متبادل بين الدولتين. ويمثّل المشروع امتدادًا تاريخيًا للعلاقات العُمانية مع أفريقيا وهي ليست بجديدة، حيث أن الامبراطورية العُمانية حكمت عدة دول في القارة السوداء في القرون الماضية، وكانت علاقاتها كبيرة في التجارة البحرية، ووجودها معروف خاصة في شرق أفريقيا، بالاضافة إلى وجود روابط ثقافية وإنسانية بين الطرفين.

إنَّ اختيار سلطنة عُمان لدولة أنغولا كان قرارًا استراتيجيًا محسوبًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا. ويمكن فهم ذلك من خلال عدة عوامل رئيسية منها أن أنغولا تُعد من أكبر الدول المنتجة للنفط في أفريقيا، واقتصادها يعتمد تاريخيًا على النفط مثل سلطنة عُمان. وفي هذا تشابة كبير بين الدولتين، فيما تمتلك الشركات العُمانية خبرة في القطاعات النفطية والطاقة والتي يمكن للبلدان الاستفادة منها في تمويل مشاريع في قطاعات النفط والغاز والتعدين بسهولة؛ أي ان التعاون سوف يصبح أسرع لأن البيئة الاقتصادية مألوفة للطرفين بدل الدخول في سوق غير مألوف.

كما أن أنغولا تمر اليوم بمرحلة الانفتاح الاقتصادي ضمن خطتها الاستراتيجية 2050، والتي تهدف إلى خصخصة مؤسسات حكومية، وتطوير البنية الأساسية، وجذب الاستثمارات الأجنبية بالإضافة إلى تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، الأمر الذي يجعلها ذات بيئة مثالية لدخول بنك استثماري جديد مثل البنك الأفريقي العُماني. ويرى المراقبون أن سلطنة عُمان دخلت السوق الأنغولي في الوقت المناسب، في الوقت الذي تحتاج فيه السوق المصرفي الأنغولي إلى وجود منافسين جدد، خاصة وأن القطاع المصرفي في أنغولا كان لفترة طويلة يعتمد على بنوك برتغالية، وبنوك جنوب أفريقية، فيما يعتبر دخول بنك برأسمال عُماني فرصة لتعزيز المنافسة، وتحديث الخدمات المصرفية، وإدخال نماذج تمويل جديدة، وهنا يظهر دور عُمان كمستثمر جديد وليس منافسًا تقليديًا.

ومن المتوقع أن يكون البنك الأفريقي العُماني منصة تمويل رئيسية لدخول الشركات العُمانية إلى عدد من القطاعات الواعدة في أفريقيا، خاصة في أنغولا وفي قطاعات تتوافق مع خبرات عُمان الاقتصادية ومع احتياجات الدول الأفريقية التنموية.

الأكثر قراءة

z