فول وقصب (11)

 

 

مُزنة المسافر

 

اختنق السيرك! حين اقتربت منه نيران أشعلها بعض الفتيان أمام البهلوان بعد خناقة طويلة، توغلوا داخل تمارين السيرك، وأشعلوا لهيب الصراع، وأتوا بالنزاع، رفعوا سكينة أكبر من سكاكين السيرك، ومن ثم حرقوا ذكريات البهلوان، ومشاعر الزرافات، وهيبة الأسد، وكتبوا التعب لعوض النسناس، وغيبوا نجومية الأراجوز الزائفة.

بيت البهلوان، بح!

راح في يوم وليلة.

هل تهور الفتيان؟ أم كان من الضروري أن يرى الجميع عقاب الغرور، عقاب البشر الذين يتسلقون الحبال للمتعة ولكسب الفلوس فقط، إنهم نوع سخيف من البشر، يستحقون هذا العذاب، يستحقون أن يروا مجد السيرك يصبح سراب.

صرخ عوض النسناس: ربنا ينتقم منكو!

انتقمت الحياة من الفتيان أم من البهلوان؟، النيران أكلت الميزان، ميزان الحق صار الآن مع المحق، لم يعد في سِراط البهلوان، الذي أخل بعدالة المكان.

لم ترغب النيران أن تخمد سريعًا، حتى انهال الناس عليها بالماء، والبعض جاء بالبطانيات والتراب، أرادوا أن ينقذوا الترفيه، وأن ينجدوا المتعة عن الاحتراق!

يا ويلها المتعة، لقد ولت وراحت.

كانت تسلي الجمهور، فيصفق لها بقوة.

حين يدخل السيرك وهو مذهول.

بالبهلوان، بالنسانيس، وبكائنات السيرك كلها، عدا الأراجوز، الذي لم يعرف كيف يُضحك هؤلاء الناس، كان يسعى بحوار فيه اقتباس، أو جمل يحفظها من إنسان مشهور.

لكنه يا عيني لايزال المغمور.

فهو مع ضياع السيرك، سيكون المقهور.

في جهة أخرى من المدينة، المانيكان تقف كالصنمة، لا تتحرك، لا تقدر على الكلام أو إلقاء السلام، تقف أمام فاترينا المتجر وهي تقابل دلولة لأول مرة.

دلولة توجه كلامًا للمانيكان: بتبصي عليا كده ليه؟ يا ولية إنتي!

انضمت إليها شربات تعقب: بلاش خناقات يا دلولة، دي خواجية ما بتفهمش!

دلولة: شغلها كده توقف، بتبص ع اللي رايح واللي جاي؟

شربات: الدنيا أرزاق بقى.

عملها يا دلولة أن تكون محبوسة، صنمة مدفوعة بشد الانتباه، ليست لبيبة أو نجيبة، تتمنى أن تكون الأيام بها رحيمة، ظروفها صعبة، وحياتها عوجاء غير سليمة.

إنكِ يا دلولة في أفضل حال، وغنجك هذا جعلكِ كِنج المجال، وملكة مسرح الدمى، يحضر الجمهور ليراكِ تقدمين الجمال، تنسجين القصص، وتخيطين الفساتين والفرص.

وفوق كل هذا يقف وسط قلبك الأراجوز بعلم الإعجاب، وبحصان الفارس ليصنع لكِ أجمل مصير، خصوصًا حين يعبر طريق الحب والشعور.

قرب السيرك في زاوية بعيدة عن الرماد، عوض النسناس يبكي، تدمع عينه من جديد، لم يجد طربوشه والجاكيتة، تلك السترة التي يحبها كثيرًا.

عوض: مش لاقي حاجة، كله راح!

الأراجوز: العوض على ربنا يا عوض.

عوض: أنا حغير اسمي يا أراجوز.

الأراجوز: اسمك كويس لنسناس، بلاش والنبي الوسواس.

عوض: مش عايز أبقى نسناس، خلاص!

ما هو الخلاص من أي نحس قديم؟ كان الأعداء كثر، لقد ظهروا ببراءة وسط الجموع، يجلسون في مدرج السيرك، يحومون حول دوائره، لكنهم يضمرون شرًا عظيمًا في أعماق النفوس، رغم أنهم جاءوا بالفلوس، لقد تغير القدر المدروس.

فقرر الأراجوز أن يترك عوض في دنياه التعيسة، ومضى نحو كبينة الهاتف العمومي، وبسرعة طلب نمرة عمي رجب، سيدركه، سيتصل به.

تررن تررن، تررررن.

صرخ الهاتف أكثر حتى جاء الرد.

حسن: ألو، صباح الفل!

الأراجوز: ألو، صباح الخير، مين؟ عمي رجب؟ أنا الأراجوز.

حسن: صباحك قشطة يا أراجوز، أنا حسن الشاطر، الشاطر حسن، بحب الفول والعسل، ههههه.

بضحكة تافهة أنهى حسن الشاطر أو الشاطر حسن المكالمة، هل هو ممثل جديد في مسرح عمي رجب؟، من يعرف؟ من يعلم؟ من يدري؟!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z