جريمة البيتزا!

 

 

 

ريتّا دار

darrita936@gmail.com

 

 

في لحظة ضعف إنساني خالصة، قررتُ أن أعيش يومًا صحيًا.. لا أعرف على وجه الدقة ما الذي أصابني. أهو ذلك الفيديو القصير لرجل في الخمسين يبدو في الخامسة والثلاثين لأنه يشرب الماء الفاتر كل صباح؟ أم تلك المقالة التي أخبرتني، بنبرة لا تخلو من التهديد، أنَّ الخبز الأبيض ليس طعامًا بل مؤامرة؟ أم هو ذلك الشعور القديم بأنَّ جسدي صار يتعامل معي باعتباري خصمًا لا مالكًا؟

المهم أنني استيقظت في الخامسة صباحًا، وهذا وحده كان إشارة إلى أن شيئًا غير طبيعي يجري؛ ففي مثل هذا الوقت من اليوم، يكون العقل ما يزال في مرحلة التفاوض مع الروح بشأن جدوى الاستمرار في الحياة. أما أنا فقد نهضت، وفتحت النافذة، وأخذت نفسًا عميقًا كما تفعل المذيعات في البرامج الصباحية. كان الهواء لطيفًا، والسماء صافية، والعالم كله يبدو كأنَّه يربّت على كتفي ويقول: "أخيرًا.. لقد تأخرتِ، لكن لا بأس".

أول ما فعلته أن شربت كوبًا كبيرًا من الماء؛ إذ كنت قد قرأت أنَّ الجسم بعد الاستيقاظ يكون متعطشًا. والحقيقة أن جسدي لم يبدُ متعطشًا قط؛ بل بدا متوجسًا. ابتلعت الماء على مضض.

جاء الإفطار، وكان شوفانًا. لقد رأيت الشوفان كثيرًا في الصور. دائمًا يوضع في أوعية خزفية أنيقة، وحوله شرائح موز، وحبات توت، وشيء من العسل، ويبدو وكأنَّه إفطار الأبطال والحكماء وأصحاب الحسابات الملهمة. لكن الصورة وحدها كانت كاذبة.

الشوفان في الحقيقة مادة رمادية مهذبة، لا هي طعامٌ يُشبع، ولا هي عقوبة صريحة يمكنك الاعتراض عليها. إنه شيء بين الاثنين. جلستُ آكله ببطءٍ، وأنا أحاول أن أقنع نفسي بأنَّ الصحة أهم من المتعة. وبعد 3 ملاعق شعرت أنني إنسانة أفضل بلا شك، لكنها إنسانة حزينة على نحو لافت.

ثم جاء وقت الرياضة. خرجت إلى الشارع مرتدية حذاءً رياضيًا اشتريته منذ عامين تحت تأثير نوبة مشابهة، ولم أستخدمه إلّا مرة واحدة حين وضعته على الرف ليُلهمني. بدأت أمشي أولًا، ثم تذكرت أن المشي لا يكفي، وأن الناس الناجحين يجرون. بدأت أركض. في الدقائق الثلاث الأولى شعرت ببعض الزهو. كان في الأمر شيء من البطولة. أنا الآن من أولئك الناس الذين يركضون في الصباح، هؤلاء الذين كنَّا نظنهم في شبابنا يعملون لصالح جهة ما.

وفي الدقيقة الخامسة بدأت رئتاي تراجعان علاقتهما بي. وفي الدقيقة السابعة صار قلبي يطرق صدري طالبًا الإفراج عنه. أما في الدقيقة العاشرة فقد كنت أركض فقط لأنني لم أكن أريد أن يلاحظ المارة أنني على وشك البكاء.

عدت إلى البيت منهكة، متصببة العرق، تتنازعني رغبتان: أن أستحم، وأن أكتب وصيتي.

لكن اليوم الصحي لم يكن قد انتهى بعد. كان عليّ أن أتناول الغداء الصحي أيضًا. سلطة، قطعة دجاج مشوي، وربما حبة أفوكادو لا أعرف كيف ولماذا صارت فجأة شرطًا من شروط الصحة الجيدة اجتماعيًا.

تناولت غدائي شاعرةً أنني أؤدي واجبًا عسكريًا. لا ملح، لا خبز، لا أرز، لا شيء يذكرني بأنَّ الحياة كانت يومًا مكانًا ودودًا. كان الطعام مفيدًا قطعًا، وأنا لا أنكر ذلك، لكنه كان مفيدًا بطريقة تجريدية مختلفة عن الحلم السريالي الذي يصوره لنا أنصار الحياة الصحية.

حلّ المساء، فقررت أن أُكمل اليوم كما بدأته: بكوب من الشاي الأخضر. هذا المشروب من أكثر الأشياء التي استفادت من الدعاية الحديثة. لو سمعت الناس يتحدثون عنه لظننته إكسير الخلود. لكنه، برأيي، مجرد ماء ساخن مُر قرر النَّاس، بدافع العناد، أن يسمونه شرابًا.

صمدتُ حتى التاسعة مساءً. ثم جلست في صمت عميق، أتأمل يومي الحافل بالانتصارات الصغيرة والهزائم الكبرى.  لم آكل سكرًا، لم ألمس المقليات، ركضت، شربت الماء، وأكلت ما يكفي من الألياف لإرضاء لجنة طبية كاملة. ومع ذلك كنت أشعر بكآبة محترمة، منظمة، تكاد تكون صحية هي الأخرى.

عند العاشرة طلبت بيتزا كبيرة!!

لا أقول إنني شعرت بالفخر، لكنني شعرت بشيء أهم: أنني عدتُ إنسانة. وحين وصلتني البيتزا، وتصاعدت منها تلك الرائحة التي تجعل المرء يؤمن بأنَّ العالم ليس شريرًا بالكامل، أدركت أن مشكلتي لم تكن مع الصحة، بل مع الفكرة الساذجة التي تصور الحياة معسكرًا تأديبيًا طويلًا.

أكلت أول قطعة وأنا أشعر أن خلايا جسدي كلها تصفق في امتنان. ربما أبالغ في هذا التصور، لكنني أكاد أجزم أن معدتي نفسها تنهدت وقالت: "الحمد لله.. ظننتك لن تعودي".

في اليوم التالي استيقظتُ متأخرةً، وشربتُ قهوتي كعادتي، وأكلت فطوري بلا شعور بالذنب.

لا تسيئوا فهمي، أنا ما زلت مُؤمنة بالحياة الصحية جدًا. لكن فقط.. من مسافة آمنة.

يمكن أن أختم كل هذا باعتراف بسيط لا يحمل حكمة عظيمة ولا ادّعاء بطولي: السِرُّ في الحياة الصحية ليس في أن نعيشها كمعسكرٍ صارم، ولا في أن نتحول إلى نسخٍ باهتة من صورٍ مثالية لا نعرف أصحابها، بل في شيءٍ أكثر هدوءًا.. إنه التوازن. أن نعرف متى نختار السلطة الخضراء، ومتى نسمح لأنفسنا بقطعة بيتزا دون شعور بالذنب. أن نتحرك حين يجب أن نتحرك، ونرتاح حين يطلب الجسد ذلك بلا مفاوضات. التوازن ليس نظامًا غذائيًا، ولا جداول، بل اتفاقٌ غير مكتوب بيننا وبين أجسادنا: لا قسوة مفرطة، ولا إهمال مطلقًا. وربما، في هذه المنطقة الرمادية تحديدًا، نجد حياةً يمكن احتمالها؛ بل والاستمتاع بها أيضًا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z