د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي **
بمطالعة النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (6/2020)، فقد نصت المادة (48) منه، على أن: "السلطان رئيس الدولة، والممثل الأسمى لها، والقائد الأعلى، ذاته مصونة لا تمس، واحترامه واجب، وأمره مطاع، وهو رمز الوحدة الوطنية، والساهر على رعايتها وحمايتها".
وتفسيرًا لهذا النص الدستوري، فقد أبانت وزارة الشؤون القانونية- آنذاك- بموجب فتواها رقم (162700020717) بتاريخ 12/1/2017: "أن جلالة السلطان المعظم- حفظه الله ورعاه- هو صاحب الحكم، ورأس كل السُلطات، يُؤتَمر أمره فيُطاع إعظامًا له، وإجلالًا لقدره، وأن ما يصدر من لدن جلالته بهذه الصفة من أوامر سامية، فهي تسمو وتعلو وتسود على كل ما عداها من قرارات أو تصرفات أو قواعد قانونية مهما كان مصدرها، الأمر الذي يفرض على كافة السلطات في الدولة واجب الالتزام بها، والنهوض إلى تنفيذها، ولا يتأتى لأي منها الخروج على مقتضياتها، أو إهدارها، أو عدم التعويل عليها، وإلا فقدت التصرفات الصادرة عنها الأساس الشرعي لوجودها".
وتعضيدًا لذلك، قامت وزارة العدل والشؤون القانونية بتأكيد ذلك في فتوى لاحقة برقم (172700023796) بتاريخ 31/10/2019، بأن: "قرَّرت الأوامر السامية أصلًا عامًا مُقتضاه حظر إعادة تعيين الموظفين، أو تقفيزهم عدة درجات، أو تعديل درجاتهم المالية التي يشغلونها، وأجازت استثناء على ذلك الأصل حالتين؛ الأولى: هي الترقيات الاعتيادية لدرجة مالية واحدة فقط. وهي الحالة المُستثناة من حظر التقفيز عدة درجات. والتي تم وقفها بموجب الأوامر السامية، أما الثانية: فتتعلق بإعادة التعيين الذي يتم وفقاً للمؤهل الدراسي- مؤدى ذلك- عدم جواز تعديل الدرجة المالية بأي طريقة كانت سواء أكانت بطريق التعيين في غير أدنى الوظائف أم الترقية أم بأي طريقة من طرق شغل الوظائف- أثر ذلك ولازمه- يجب على جميع الوحدات المخاطبة بهذه الأوامر الالتزام بصحيح مضمونها. وعدم الخروج على مقتضياتها. لما لها من طبيعة ملزمة لا يقف حدها عند الأحكام الواردة في قانون الخدمة المدنية. بل تتعداها لتصل إلى ما تقرره التشريعات الخاصة من تنظيم مستقل للوظائف الواردة فيها".
والبيِّن من ذلك أن الأوامر السامية لها طبيعة قانونية خاصة تتموضع في منزلة التشريع، ومن ثم فهي ملزمة وواجبة التنفيذ والتطبيق من قبل كافة السلطات العامة في الدولة، ومن ثم يمكن القول إن الأوامر السامية هي عبارة عن أوامر تصدر من جلالة السلطان بصفته رئيس الدولة، وتتضمن القيام بإجراءات محددة واجبة التنفيذ.
وبالرغم من عدم الاستدلال على وجود تفسير قانوني للتوجيهات السامية، إلّا أنه من المؤكد أنَّ التوجيهات السامية تصدر من جلالة السلطان، أي أنها تتماثل مع الأوامر السامية من حيث جهة الإصدار، في حين تتباين من حيث طبيعتها، حيث تختص التوجيهات السامية عادة برسم سياسة عامة أو تستهدف توجه استراتيجي لتأطير منظومة عمل محدد. ومن ثم فان التوجيهات السامية غالبا ما تستوجب إفراغها في قالب تشريعي كلوائح أو قرارات تنفيذية أو تعاميم.
وعلى خلاف الأوامر السامية التي تتسم بالوضوح والتحديد في المضمون، وقابلية التنفيذ الفوري لها، فإنَّ التوجيهات السامية عادة ما تمنح الجهات المختصة مساحة لاختيار وسيلة تنفيذها. ومن الأمثلة التي يمكن استحضارها في هذا السياق، تكون الأوامر السامية في الحالات الآتية: إنشاء أو دمج أو الغاء وحدات الجهاز الإداري للدولة، صرف مكرمة مالية أو إلغاء رسوم معينة. في حين تكون التوجيهات السامية مثل: تمكين ودعم فئة الشباب، وتعزيز مبدأ الشفافية والحوكمة في القطاع الحكومي.
وحاصل القول إنَّ الأوامر السامية تتماثل مع التوجيهات السامية من حيث جهة إصدارهما، والتي تتمثل في المقام السامي لجلالة السلطان المعظم- حفظه الله- في حين يكمن التباين بينهما من حيث طبيعة كل منهما، والتي تكون فيه الأوامر في إطار محدد، على خلاف التوجيهات التي عادة تتصف بكونها ذات طبيعة سياسية أو استراتيجية عامة، إضافة إلى وجوب التنفيذ الفوري للأوامر، في حين تحتاج التوجيهات إلى فترة زمنية لصياغتها وتنفيذها على أرض الواقع، ولا مناص في كون الأوامر والتوجيهات السامية ملزمة من حيث التنفيذ مع وجود فارق بسيط بالنسبة للتوجيهات التي تحتاج إلى قيام الجهة المختصة بإفراغها في القالب القانوني المناسب، وإيجاد الآلية المناسبة للتنفيذ.
** دكتوراه في القانون الدستوري والعلوم السياسية
** رئيس مركز البحوث والدراسات الجامعية
