الفصل الأخير من الصراع

 

 

 

علي بن مسعود المعشني

ali95312606@gmail.com

تقوم وتقوى الحضارة العربية الإسلامية تاريخيًا على ثلاثة ركائز: العرب، والفرس، والأتراك؛ فالعرب هم المركز والحاضن، والفرس والأتراك هم الإسناد. وبضعف المركز- وكما هو الحال اليوم- تضعف الأطراف، وأن قوت، فلا يمكنها القيام بدور المركز مُطلقًا.

لهذا حين أدركت المدنيات الغربية سِرَّ هذا الثالوث الحضاري، عمِلَت على تفكيكه وتمزيقه وتشتيته، عبر حروب ومؤامرات واحتلالات وتضليل وبعث اختلافات طبيعية (عرقية ومذهبية ودينية) وجعلها خلافات كبرى والنفخ فيها لتحقيق تلك الغاية الدنيئة، وتمزيق الأمة العربية الى كيانات صغيرة سُميت أقطار ودول عبر مؤامرة "سايكس بيكو"، وما تلتها من ثقافات لتكريس الشتات والفرقة بين تلك الأقطار والتي إذا عادت الى لحمتها الطبيعية، ستعيد الأطراف وتقودها وتقرر مصيرها، وهذا ما يهدد مدنيات الغرب بالزوال والتنحي عن ركب زعامة العالم.

حين نعود الى هذه المسلمات التاريخية ونعترف بها، سندرك سِر تهافُت الغرب على تحطيم ثالوث القوة، والتفرد بأركانه بالترهيب والترغيب، حتى أصبح التئام هذا الثالوث- ظاهريًا- وعودته الى طبيعته ودورة الحضاري شبه مستحيل.

وحين نقلب صفحات التاريخ المعاصر للمنطقة خلال القرن الأخير، سنجد وطنًا عربيًا مُحتلًا من قبل قوى الغرب، وإيران مُرتهنة للغرب، وتركيا تحت هيمنة الغرب، وبالنتيجة فالثالوث الحضاري تحت السيطرة التامة للغرب.

تلى ذلك تحرُّر منقوص للأقطار العربية تباعًا، وقيام الثورة في إيران وعودتها الى حيويتها ودورها الحضاري الطبيعي، وبقيت تركيا تحت مظلة الغرب وثقافة الناتو خوفًا وطمعًا.

اليوم إيران تقوم بدور المحور والمركز والأطراف معًا في مواجهة مدنيات الغرب وتصحيح مسار التاريخ، لهذا لا نستغرب الحملات المسعورة ضدها من قبل الغرب وأدواته في المنطقة، ولا نستغرب كذلك ركوب بعض المغرر بهم من عرب زماننا ممن لا يقرأون التاريخ ولا يفقهون سننه موجة الغرب واصطفافهم ضدها.

"طوفان الأقصى" المبارك كان الشمعة التي أنارت العقول المظلمة، وبصرتها بأن الصراع بيننا والغرب صراع وجود؛ فالصراع ليس حربًا ولا معركة تنتهي بهزيمة هنا وانتصار هناك؛ بل فناء وزوال أحد طرفي الصراع من الوجود أو التأثير والهيمنة والمواجهة. وقوة تأثير طوفان الأقصى على العدو ورُعاته وصلت ذروة نتائجها- غير المُعلنة بالطبع- الى توافق دولي بضرورة اسقاط دمشق كمحور للمقاومة للحفاظ على ما تبقى من كيان العدو. ثم أتت المواجهات المباشرة بين كيان العدو وأمريكا وأدواتها وحلفائها الاقليميين والدوليين لمواجهة إيران مباشرة والإجهاز عليها. ومن العلامات الكبرى الدالة على تأزُّم الغرب وهزيمة مشروعهم الصهيوني، هو تصريحهم المباشر بالهدف من العدوان على إيران والذي تخطى المفاوضات والبرنامج النووي الى كشف الرغبة عن تدمير حضارتها، ثم التصريح كذلك بأن الهدف القادم بعد إيران هو باكستان وتركيا، والعاقل هنا يتساءل عن الهدف من السعي الغربي لتدمير باكستان وتركيا الحليفتين للغرب؟!

الغرب مرعوب من الصحوات التاريخية في حياة الشعوب، ولديه قائمة طويلة ومُرَّة من هذه الصحوات، والتي أخرجته من التاريخ والجغرافيا ووضعت أحلامه ومخططاته في أرشيف الزمن للعبرة والاعتبار.

الغرب لديه تجربة مُرة في إيران تسمى "ثورة مصدق" في الخمسينيات من القرن المنصرم، وزوال "حلف بغداد" تدريجيًا بعد ثورة 14 تموز/ يوليو 1958م، وزوال الملكية بالعراق، ثم إعدام عدنان مندريس بتركيا، وانسحاب باكستان بعد خذلانها من قبل الحلف في ملف كشمير، ثم أطلقت رصاصة الرحمة على الحلف وما عُرف بـ"مبدأ كيسنجر" عام 1979م بقيام الثورة في إيران.

اكتشف الغرب اليوم أن مواجهة إيران ليست استراحة محارب كما كان يتوقع، وان عودة زعامات وطنية بباكستان مثل: ذو الفقار علي بوتو وعمران خان ليست مستبعدة ولا بعيدة، وأن تركيا اردوغان لن تدوم لخدمتهم، لهذا قرَّر رفع الشعار الرياضي الكروي "خير وسيلة للدفاع هي الهجوم".

قبل اللقاء.. جميع المؤشرات اليوم تُفصح عن زوال الكيان الصهيوني، وبزواله تزول الهيمنة والنفوذ الغربي، ويسري على الغرب ومدنياتهم ما سرى على من قبل من الأقوام والملل والنِحَل: "أقوام سادت ثم بادت".

وبالشكر تدوم النعم.

الأكثر قراءة

z