علي بن مسعود المعشني
الكثير منا يعتقد أن كبار الدول لا تُخطئ في السياسات والحسابات للوصول إلى مصالحها والحفاظ عليها، ولكن الواقع والتاريخ يبرهنان لكل من يقرأ التاريخ ويتعظ من دروسه وعبره، أن الخللَ أزليٌ ودائمٌ بين الأهداف والنتائج، فقد يمكن السيطرة على الهدف وتحديده، ولكن لا يمكن التكهن بالنتائج والتداعيات والسيطرة عليها.
وكمثال تاريخي بسيط، يمكن استدعاء حادثة اغتيال ولي عهد النمسا وزوجته في سراييفو عام 1914م كهدف تحقق، ونتائجه التي أفضت إلى حربين أوروبيتين كبيرتين سُميت زورًا بالعالمية، حصدت ملايين الأرواح وخلفت الدمار الشامل في جغرافيات أوروبا واليابان، وتسببت في مجاعات وأمراض حول العالم.
إخفاقات الكبار وأخطاء حساباتهم لا حصر لها؛ كون بعضها يتصف بجهل تام لأرض المعركة، وقوة العدو المفترض، لهذا رأينا قوى نووية هُزمت من قبل خصوم شبه بدائيين في عدتهم وعتادهم مقارنة بتلك القوى، كمثال أمريكا بفيتنام والسوفييت في أفغانستان، لأنهم يحاربون بالأرض والإرادة وعقيدة الحق؛ فينتصرون في النهاية.
أمريكا اليوم كمثال، تُعاني من جميع أعراض عجز القوة، في مواجهة إيران وحلف المقاومة، ولم يعد بيدها سوى السلاح المستحيل وهو النووي، وهو سلاح كارثي ووبال على الجميع؛ حيث لا يمكن التحكم بهدفه ومساحة تأثيره، وفوق هذا فإنَّ نقطة الضعف الكبرى لأمريكا في المنطقة، ليست في انتشار قواعدها وسفنها وأساطيلها في مرمى نيران العدو؛ بل في الصيد الثمين والموجع لها والمسمى بـ"إسرائيل"؛ فهذا الهدف يمثل رأس الأفعى والصيد الثمين والخاصرة الرخوة للأمريكي، في زمن قواعد الاشتباك الجديدة والمؤثرة جدًا والمتمثلة في الصواريخ البالستية والمُسيَّرات العابرة للحدود والقارات معًا.
العدوان الأمريكي على إيران السابق والحالي، برهن على أن الوجع في تل أبيب كفيل بتغيير سير المعركة، وتحقيق النصر بأقصر الطرق عبر أهم هدف وأثمنه وهو استهداف الكيان الصهيوني وكما هو حاصل اليوم.
واستهداف الكيان لا يعني النصر وإيلام أمريكا والغرب؛ بل يعني كذلك كسب تعاطف المنطقة والعرب والمسلمين والضمير العالمي مع من يواجه أمريكا والكيان الصهيوني اليوم، بعد التحول العالمي الكبير الذي أحدثه "طوفان الأقصى"، تجاه فلسطين وقضيتها، وكذب السرديات التي تستر خلفها العدو لعقود لتمرير خرافاته ومظلوميته الكاذبة وتسويق أباطيله للعالم.
أثبتت الأحداث اليوم من "طوفان الأقصى" إلى العدوان على إيران، أنَّ المعارك والحروب ليست كلها على جبهات المعارك والاقتتال العسكري؛ بل هناك حروب ومعارك أخرى تشتعل وتُدار بالإرادة والتصنيع والاكتفاء والإعلام بأنواعه والوعي والإدراك كذلك، وأن الشعوب التي تمتلك تلك الخصائص هي التي تنتصر وتسود في نهاية الصراع. وعبر التاريخ، فإن المدنيات لا تنتصر على الحضارات مهما بلغت ضراوة الحروب وفتك الأسلحة، والمواجهات اليوم تدور في مجملها بين مدنيات ناشئة مفتونة بالقوة العمياء، وحضارات موغلة في الحكمة والصبر والعقل والرشاد. والله غالب على أمره.
قبل اللقاء.. الدولة القوية الحقيقية تقوم على هذه القوى بالتسلسل: قوة العقل، قوة الرُشد، القوة الروحية، القوة الاقتصادية، القوة العسكرية.
وبالشكر تدوم النعم.
