علي بن مسعود المعشني
يعتقد البعض منَّا أنَّ الحروب عبارة عن مُواجهات عسكرية على الجبهات، بينما الحقيقة والواقع أن تلك المواجهات تمثل الحرب المعلنة والظاهرة للأعين، بينما ترافقها وتسبقها وتعقبها كذلك حروبًا أخرى تُسمى بلغة اليوم بالحروب الناعمة.
وهذه الحروب لا تقل في ضراوتها وتأثيرها عن الحروب العسكرية، إن لم تفُقها في بعض الأحيان، كونها تستهدف الوعي والعقل الجمعي للشعوب المستهدفة، بل وتتخطى ذلك إلى ثقب الذاكرة والعبث بالقناعات والعقائد والتقليل من أثرها، وصولًا إلى محوها وسكب بدائل لها.
فمنذ احتلال فلسطين عام 1948، عمدت الصهيونية العالمية إلى سكب سرديات وخرافات وأساطير مدروسة بصور نفسية عميقة لشرعنة الاحتلال، وإلغاء الحق العربي الفلسطيني في أرض فلسطين التاريخية، وغلفت ادعاءاتها الباطلة بغطاء ديني يهودي للتغطية على حقيقة الحراك الصهيوني في فلسطين كقاعدة انطلاق نحو احتلال الوطن العربي تدريجيًا والهيمنة على مقدراته، بالقوة القاهرة، بمُباركة من الغرب، لبسط نفوذهم وتكريس تبعية الأمة العربية، ومنع أي تنمية أو تطور أو وحدة بين أقطارها. لهذا شكل الكيان الصهيوني "فيتو" غربي ضد نهوض الأمة العربية أو تقاربها أو تضامنها بصورة تُهدد مشروعهم المسمى بـ"إسرائيل".
ورافق التضليل الصهيوني بالأحقية التاريخية بفلسطين، تضليل آخر، تمثل في نفخ الآلة العسكرية الصهيونية بمنحها صفة "الجيش الذي لا يُقهر"، وجهاز مخابراته الخارجية المعروف بـ"الموساد"، بأنه اليد الطولى للكيان، وعبارة، لكل دولة جيش ماعدا إسرائيل، جيش له دولة.... إلخ.
لهذا سهلٌ على الكيان التغلغل إلى عمق العقل العربي والعبث بوعي الشعوب، وبقيت تلك الأباطيل محور صراعنا مع العدو، إلى حرب تموز/ يوليو 2006م بالتحديد؛ حيث أبطل حزب الله تلك الخرافات والسرديات وفككها وأعاد بناءها عكسيًا في الوعي العربي والعقل الجمعي، حتى أتى "طوفان الأقصى" فبدَّد تلك السرديات وبيَّن حجم كذبها وحجم تأثيرها على العقل العربي لعقود خلت.
كانت في المقابل تؤرق العدو رمزية وشعار "مفتاح العودة" التي حملتها أجيال من الفلسطينيين بالتعاقب، و"يوم القدس العالمي" الذي رفعه الإمام الخميني.
فقد ظن الكيان الصهيوني بأن تقليص تعريف الصراع بينه وبين الأمة العربية بعد "كامب ديفيد" إلى صراع فلسطيني صهيوني، سيتيح له التفرد بالقضية والمنطقة لاحقًا بكل ارتياح، ولكن الطوفان وجبهات الاسناد أعادت القضية إلى مربعها الأول بل ووسعت من دائرتها إلى المحيط الإسلامي والضمير العالمي.
أصدر مجلس الأمن الدولي في عام 2011م، قرارين رئيسيين (1973-1970) تحت الفصل السابع ضد ليبيا، تضمن فرض عقوبات مشددة، وحظر السلاح، وتجميد أصول نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، إضافة إلى فرض منطقة حظر طيران والترخيص باستخدام القوة لحماية المدنيين؛ مما مهد للتدخل العسكري لحلف الناتو.
ورمزية أرقام هذين القرارين تحديدًا تعود إلى عامي طرد القواعد الأمريكية والبريطانية من ليبيا، بعد انتصار ثورة الفاتح من سبتمبر 1969م بقيادة العقيد معمر القذافي، وقرار تأميم النفط الليبي والتحكم بأسعاره ورفع نسبة امتلاك الدولة الليبية فيه.
قبل اللقاء.. يقول أحد رؤساء جهاز الموساد: "لقد استطعنا اختراق العقل العربي، إلى درجة أننا لو اعترفنا بالهزيمة فلن يصدقنا أحد من العرب".
وبالشكر تدوم النعم.
