نظام دولي على مفترق طرق

 

 

 

مرتضى بن محمد جواد الجمالاني **

 

تُعد الولايات المتحدة الأمريكية جمهورية دستورية تقوم، من حيث المبدأ، على الفصل بين السلطات وسيادة القانون. غير أن ممارساتها في بعض الملفات الدولية تُفسَّر أحيانًا على أنها ميل إلى الانفراد في إدارة الشؤون العالمية، مستفيدة من ثقلها السياسي والعسكري، ومن موقعها المؤثر داخل مجلس الأمن الدولي ومؤسسات دولية أخرى.

هذا الواقع يطرح تساؤلات جوهرية حول حدود النفوذ المشروع، والفارق بين القيادة الدولية والمسؤولية الجماعية. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تعمل المؤسسات الدولية كأطر جامعة لضمان التوازن والعدالة، يبدو في بعض الحالات أن القرارات تُدار وفق موازين القوى أكثر من استنادها إلى مبادئ القانون الدولي.

وفي هذا السياق، تُطرَح أمثلة واقعية أو متداولة في النقاش العام تعكس هذه الإشكالية. من بينها ما يُثار حول مبادرات تتعلق بإعادة إعمار غزة، أو ترتيبات مرتبطة بأمن الملاحة في الخليج، بما في ذلك آليات التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العابرة في مضيق هرمز. ورغم مشروعية أهداف الاستقرار وحماية التجارة الدولية، فإن هذه المبادرات تثير نقاشًا حول مدى شموليتها وشرعيتها وتوازن الأدوار بين الأطراف الدولية والإقليمية، خاصة الدول المطلة على المضيق: سلطنة عُمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وفي بُعدٍ آخر، تبرز مسألة الحوكمة كعنصر أساسي في تقييم الأداء السياسي والمؤسسي؛ فالمعايير الدولية تؤكد ضرورة تجنب تضارب المصالح وضمان الشفافية الكاملة في إدارة الشأن العام، بما في ذلك أي ترتيبات قد تُثير تساؤلات حول استغلال المنصب العام أو تحقيق منافع خاصة عبر دوائر القرب من السُلطة.

أما على صعيد القضاء الدولي، فتظل إشكالية التنفيذ من أبرز التحديات البنيوية. فقد أصدرت محكمة العدل الدولية أحكامًا مهمة، إلا أن تنفيذها ظل في كثير من الأحيان محدودًا أو غير مكتمل. ومن أبرز الأمثلة قضية نيكاراجوا ضد الولايات المتحدة، التي لم تُنفذ أحكامها بالكامل رغم صدورها الملزم قانونًا. كما تُظهر قضية "أفينا ومواطنون مكسيكيون آخرون" (المكسيك ضد الولايات المتحدة الأمريكية) الفجوة بين الحكم القضائي والتطبيق العملي. وفي سياق أحدث، أعادت التدابير المؤقتة في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل النقاش حول مدى قدرة النظام الدولي على فرض الامتثال في ظل الانقسام السياسي واستخدام حق النقض داخل مجلس الأمن الدولي.

هذه الأمثلة تُبرز بوضوح أن القانون الدولي، رغم تطوره، لا يزال يصطدم بواقع سياسي معقد، حيث تتداخل العدالة مع موازين القوى، ما يضعف فعالية النظام الدولي ويؤثر على مصداقيته.

في المقابل، يشهد العالم تحولات عميقة نحو تعددية الأقطاب، مع صعود تكتلات اقتصادية مثل آسيان وبريكس، وتزايد توجه الدول نحو تنويع شراكاتها وتقليل الاعتماد على مركز واحد للنفوذ. كما يُتوقع أن تتطور أنظمة الدفع والتسويات الدولية، بما قد يسهم تدريجيًا في إعادة تشكيل النظام المالي العالمي وتقليل الاعتماد الحصري على الدولار الأمريكي، في مسار طويل وتدريجي.

في النهاية.. يقف العالم أمام مرحلة إعادة تشكيل حقيقية: إما استمرار نظام يميل إلى الأحادية ويواجه تحديات الشرعية، أو الانتقال إلى نظام أكثر توازنًا يقوم على الشراكة، والشفافية، واحترام قواعد القانون الدولي. فاستقرار النظام العالمي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بقدرته على تحقيق العدالة والثقة بين الأمم.

** خبير التأمين وباحث اقتصادي متخصص

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z