فخ الخوف

 

 

 

ماجد بن علي الهادي

"الخائفون يقعون في الفخ بقدر ما يقع الجريئون" هيلين كيلر.

*****

 في ظلال الخوف لا مفر من الوقوع تحت براثن التوجس، الحواس تستشعر بحساسية مفرطة من كل ما حولها، ساكن كان أم متحرك، وفي زوبعة الخوف، الفكر مشغول في الشيء واللاشيء.

في خنق الخوف، الأفكار تتشتت وتتوه في خضم القلق والحيرة؛ أيًا كان مصدر هذا الخوف؛ فالزمن يتوقف في حراك السكون، وفي سكون الضغط العصبي. الخوف قد يصنعك عقلًا ثابتًا راسخًا في معمعة الرياح الهائجة، ويعلمك كيفية الاعتماد على الذات، يُلقِّنك درس الاكتفاء، ويحول ترددك إلى ثبات واتزان، ستقع في أخطاء وستتعلم منها، ستذرف عيناك إرهاصات العذاب النفسي والجسدي معًا. عذاب الوقوف بصمود تحت ارتجاف الحواس، عذاب التمترُس في مكان واحد، بينما عقلك يتمنى الفرار، كل شيء يعاكسك ويناقضك، القراءة تتحداك بزمجرة التشتت، والكتابة تتحداك تحت وقع رجفة الأصابع، رجفة مصدرها اللاشيء، واللاشيء هذا مصدره الخوف.. الخوف من ماذا؟!

العالم يموج بالخوف بصناعة عقلية مُتعمَّدة، الدنيا تحترق في الرؤوس بنيران الأفكار الغريبة العجيبة. بعضها تقع تحت مصطلح النيران الصديقة، والأخرى نيران عدوَّة، تصنيفات لم يكن العقل قد استوعبها إلى وقت قريب، وأوصاف وصفات وتوصيف كلها تنبثق من إطار واحد. ابتكرتها عقول وصنعتها مفاهيم، دبجتها نوايا ومزجتها بأمزجة شخصية بحتة.

في ظلال الخوف، الجميع يركن إلى قضم أظافر القلق والحيرة، في ظلال الخوف، تُقلب الصفحات الثقافية في الصحف بشكل متعمد متسارع، بهدف الوصول إلى الصفحات الأخرى المتحدثة بصوت ملؤه الخوف، يُفسَّر الخوف بجزافة غير مقنعة، ويحاول إقناع العقول بتفسيرات غير منطقية ولا تتناسب مع حجم الدهشة. ذلك الكم الهائل من تراكمات الأمزجة المتلونة بألوان الضغينة البشرية. هل قلَّت الضغينة البشرية؟ نعم إنها هي التي أشعلت نيران الخوف، بعد ما توسَّدت الأرض حطب الكراهية، وبعد أن ابتلت فجوات التراب بمياه النوايا السيئة الكريهة.

الخوف ليس إلا انبثاق محتوم أمره، بعد ما ارتدت العقول ثياب المكر والخديعة والنفاق. الخوف يشرَئِب في مجاري عروق الانتقام النفسي من كل ما يحيط بالازدواجية.. ازدواجية الفكرة والتفكير.. ازدواجية الفهم والمفاهيم.. ازدواجية المعنى والمعاني.

لذلك.. الخوف يسكن الرؤوس على مختلف أعمارها وفئاتها وأجناسها، لذلك الخوف يتماهى بأطياف قزحية يحسبها الرائي نتيجة أمطار الحياة، وهي ليست إلّا سحب رماد الاحتراق. احتراق النُبل تحت وقع طبول الحرب.. حرب الصدق ضد الكذب.. حرب الواقعية ضد الفنتازيا الصناعية المبتكرة.

كيف لا يتأجج الخوف والقلوب تنتفض في أقفاص المفاهيم المغلوطة. تلك التي لا تتوقف عن ضخ أوارها وشراراتها في أجواء الشغف، لكل ما هو جديد ومبتكر، لكل ما هو ساكن تحت أعشاش المصداقية المقنعة. لا يكترث الخوف إنْ تفتت الرؤى، ولا يهمه إنْ اضمحلت مكامن طمأنينة النفس ودثارة الروح وسكينة العقل والفكر، لا يهمه الخوف إنْ تراءت الاستغاثات المكلومة بغبار الظلم؛ فهو حقيقة النفس المُدمَّرة، وهو واقع التباين السيء، ولولاه لما عَرِفَ الضيم طريقًا ولا استدلت النوايا الخبيثة مسالكها.

إنه واقع لا مفر منه، وفرار لا مُستقر له، وضحكات ساخرة لا هوية لها. كيف للهوية مرسم وهي في الحقيقة تسعى للتدمير والتشتت؟ كيف للتدمير من مكمن لولا الخوف.

هل للخوف إيجابيات؟ نعم.. للخوف إيجابيات وفوائد جمّة؛ فهو غريزة فطرية مُبرمجة في الجهاز العصبي للحماية وضمان البقاء. يعمل الخوف كآلية دفاعية؛ حيث يُنبه للأخطار، ويدفع للحذر، ويُحفِّز لاتخاذ قرارات سريعة ومصيرية للنجاة، كما يُساعد في تطوير الشجاعة عند مواجهته.

هذه ليست ازدواجية ولا تناقض، ولا يتضاد مع ما سلف، لكنها المعادلة الصحيحة للتوازن النفسي الفكري، والنتيجة الحتمية لمعنى التعايش والتكيف مع مجريات الحياة. إنها البذرة المغروسة في تُربة التكاثر الحيوي لمعنى الحياة. فلا يسأل الشر عن ماهيته كيف تكونت، بينما الخير يطل من الضفة الأخرى للمعنى. كما لا يسأل الخير عن فاعليته، وهو يلمح غبار القتامة تزفر به رياح الكراهية المقيتة.

ظلال الخوف لا مفر من الوقوع فيها، والخوف لا يمكنه أن يتنصل عن ظلاله، وأصداء البغضاء لا تكف عن سخريتها بين الفينة والأخرى، ما دامت نبضات قلب الأرض تتراقص مع وقع معزوفة لحن الحياة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z