الخبرة مطلوبة.. فمن يمنحها؟

 

 

د. غالية بنت عيسى الزبيدي

 

في إعلانٍ وظيفيٍّ صغير، كُتبت الجملةُ بحبرٍ عريض: "خبرة لا تقل عن ثلاث سنوات".

بدت العبارةُ كأنها بوابةٌ عالية، لا يُفتح بابُها إلا بمفتاحٍ لا يُصنع إلا بداخلها. يقف الخريج أمامها، يحمل شهادته كجواز سفرٍ بلا تأشيرة، ويبتسم في وجه العالم كما يبتسم من يطرق بابًا يعرف في قرارة نفسه أنه لن يُفتح.

نحن لا نفتقر إلى الرغبة في العمل، بل إلى الفرصة الأولى التي تُعلِّمنا كيف نعمل. نُطالَب بالخبرة كما يُطالَب الطفل بإتقان المشي قبل أن يخطو.

تُرفع المعايير في وجه من لم تُتح له البداية، ثم يُسأل ببرود شديد: لماذا لم تبدأ؟ وكأن البدايات تُشترى من رفوف جاهزة، أو تُمنح مع الشهادة في ظرفٍ مختوم.

في المقابلات، تُسأل الأسئلة نفسها، وتُعاد الإجابات نفسها، ويتكرر المشهد حتى يفقد دهشته.

هل لديك خبرة؟ سؤالٌ يبدو بسيطًا، لكنه يحمل في طيّاته مفارقةً كاملة: كيف تُكتسب الخبرة إن لم تُمنح الفرصة؟ وكيف تُمنح الفرصة إن لم تكن لديك خبرة؟

دائرةٌ أنيقة، مغلقة بإحكام، لا يدخلها إلا من خرج منها.

المؤسسات تبحث عن الجاهز، لأن الزمن لا ينتظر، وسوق العمل شحيح. لكن المؤسسات وهي تبحث عن المكتمل، تنسى أن كل مكتملٍ كان يومًا ناقصًا، وأن كل خبيرٍ بدأ بخطوةٍ مرتبكة.

إن اختصار الطريق برفض المبتدئ، يُطيل الطريق على الجميع، ويجعل الندرةَ قدَرًا، لا نتيجة. ليست المشكلة في شرط الخبرة، بل في غياب الجسر إليها. التدريب، والاحتضان، ومنح المساحة تنظيميًا واستثمارٌ طويل الأمد؛ فالخبرة لا تُستورد، بل تُصنع؛ لا تُمنح كوسامٍ، بل تُبنى كعادة يومية.

ربما آن الأوان أن نُعيد صياغة السؤال. بدل أن نسأل: هل لديك خبرة؟ نسأل: هل لديك الاستعداد لتكتسبها؟ فالأول يغلق الباب، والثاني يفتحه على مهل.

وبين بابٍ يُغلق وآخر يُفتح، تُصنع حكاياتُ العمل، وتُكتب بداياتٌ تستحق أن تُمنح فرصةً عادلة.

أما الخريج، فسيظل واقفًا عند العتبة، لا يطلب كثيرًا: خطوةً أولى لا تُحاسبه على ما لم يُمنح، ولا تُطالبه بما لم يُتح له.

خطوةً صغيرة، لكنها كفيلة بأن تُحوِّل العبارة من شرطٍ مُربك إلى وعدٍ ممكن: الخبرة مطلوبة… نعم، لكن أحدًا ما يجب أن يمنحها أولًا.

** شاعرة وكاتبة

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z