هل انتهت مرحلة الأمم المتحدة؟

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي

لم يعد هذا السؤال المطروح في عنوان المقال، عابرًا؛ بل أصبح يفرض نفسه بإلحاح مع كل أزمة دولية جديدة، ومع كل حرب تُدار خارج إطار المرجعية الأممية أو تتجاوز قراراتها دون تنفيذ.

اليوم، يقف العالم أمام مشهد معقد؛ حيث نجد مُنظمة أُنشئت لضبط العلاقات الدولية ومنع الحروب، تبدو في كثير من اللحظات وكأنها تراقب المشهد أكثر مما تصنعه. وهنا يتجدد السؤال الجوهري: هل ما زالت الأمم المتحدة قادرة على أداء دورها التاريخي، أم أننا أمام مرحلة تتراجع فيها فاعليتها تدريجيًا في النظام الدولي؟

وتأسست الأمم المتحدة عام 1945 استجابة لحربين عالميتين أرهقتا البشرية، بهدف حفظ السلم والأمن الدوليين، وحماية سيادة الدول، وبناء نظام عالمي تحكمه القوانين لا القوة. لم تكن مجرد منظمة، بل صمام أمان لعالم يخشى تكرار الكارثة، ومنبرًا للحوار بين الدول لحل النزاعات سلميًا.

لكن مع توالي الأزمات وتصاعد الحروب، وعودة منطق القوة والنفوذ في إدارة العلاقات الدولية، بدأت التساؤلات تتصاعد حول مدى قدرة المنظمة على أداء دورها كما صُممت له.

لم يعد الإشكال مقتصرًا على بطء الاستجابة أو محدودية الأدوات الخاصة بتنفيذ القرارات إن وُجدت، بل تعداه إلى مسألة أعمق تتعلق بازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي. فالقواعد التي وُضعت لتكون مرجعية للجميع، لا تُطبّق دائمًا بالقدر نفسه على كل الدول. في مشهد متكرر، تُدان بعض الانتهاكات بسرعة، بينما تمر أخرى في صمت أو بتفاعل محدود، ما يطرح تساؤلات حول حيادية النظام الدولي.

هذا التباين لا يضعف ثقة الدول في المنظمة فحسب، بل يؤثر أيضًا على فكرة القانون الدولي نفسها، إذ يتحول الالتزام بالقواعد من مبدأ ملزم إلى خيار مرتبط بميزان القوة والمصلحة، وهو ما يهدد جوهر النظام الذي تأسس عليه المجتمع الدولي.

وتُعد الجمعية العامة ومجلس الأمن الركيزتين الأساسيتين في منظومة الأمم المتحدة. فالجمعية العامة تضم جميع الدول الأعضاء، وتصدر توصيات غير ملزمة، بينما يملك مجلس الأمن سلطة إصدار قرارات ملزمة تتعلق بالسلم والأمن الدوليين. إلا أن وجود الدول الخمس دائمة العضوية بحق النقض (الفيتو) جعل عملية اتخاذ القرار أكثر تعقيدًا، وأحيانًا مقيدة بتوازنات سياسية لا تعكس دائمًا الاعتبارات الإنسانية أو القانونية.

ومع تعاقب الأزمات الدولية، برزت حالات تحرك عسكري أو سياسي خارج إطار الأمم المتحدة، سواء بشكل مباشر أو عبر تحالفات دولية متعددة، ما يعكس تحولات في آليات إدارة الصراع العالمي، ويثير تساؤلات حول مدى مركزية المنظمة في النظام الدولي المعاصر.

ويمكن الاستدلال على ذلك بوضوح من خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا، التي ما زالت مستمرة رغم انعقاد جلسات متكررة في مجلس الأمن دون التوصل إلى حل حاسم أو إيقاف فعلي للصراع. فقد كشفت هذه الحرب حدود الدور الأممي في التعامل مع نزاع بين قوى كبرى، حيث طغت الحسابات السياسية على قدرة المنظمة على فرض مسار ملزم يوقف النزيف المستمر.

كما أن التصعيد العسكري الجاري الذي شاركت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والذي وُجهت إليه انتقادات واسعة لابتعاده عن أطر الشرعية الدولية، وما ترتب عليه من تداعيات خطيرة على أمن الخليج واستقرار المنطقة، يعكس بدوره حجم التحدي الذي تواجهه الأمم المتحدة في احتواء الأزمات قبل تفاقمها. فبدل أن تكون إطارًا فاعلًا لمنع التصعيد، بدت في كثير من الأحيان عاجزة عن التأثير في مسار الأحداث أو الحد من تداعياتها الإقليمية والدولية.

وفي السياق ذاته، تُعد القضية الفلسطينية واحدة من أبرز القضايا التي اختبرت فعالية الأمم المتحدة؛ فقد صدرت قرارات دولية عديدة تؤكد حقوق الشعب الفلسطيني، من بينها قرار مجلس الأمن رقم 242 لعام 1967، الذي يدعو إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة وإقامة سلام عادل. ومع ذلك، بقيت العديد من هذه القرارات دون تنفيذ فعلي، واستمرت معاناة الفلسطينيين في ظل تصاعد النزاع وتكرار العنف، بما في ذلك ما شهدته غزة من أحداث دامية شاهدها العالم، وخلفت خسائر إنسانية كبيرة.

ولا يمكن إغفال أن النظام الدولي شهد كذلك أزمات وحروبًا متعددة في مناطق مختلفة من العالم، حيث تباينت أدوار الأمم المتحدة بين التدخل والمراقبة، وبين النجاح أحيانًا والعجز في أحيان أخرى، وهو ما يعكس تعقيد البيئة الدولية وتشابك مصالح القوى الكبرى.

هُنا يبرز سؤال جوهري: إذا كان الهدف من الأمم المتحدة هو حفظ السلم والأمن الدوليين، وضمان احترام القانون الدولي، فإلى أي مدى ما زالت قادرة على تحقيق هذا الهدف في ظل المتغيرات الحالية؟

وفي المقابل، لا يمكن إنكار أهمية وجود إطار دولي ينظم العلاقات بين الدول، ويضع قواعد تضبط استخدام القوة وتحمي سيادة الشعوب. فالعالم بدون مرجعية قانونية دولية سيكون أكثر عرضة للفوضى وتغليب منطق القوة على العدالة.

لكن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في وجود المنظمة من عدمه، بل في مدى قدرتها على التكيف مع التحولات العالمية، وإعادة تعزيز دورها بما يضمن عدالة التطبيق وفاعلية القرار.

وفي الختام.. يبدو أن الأمم المتحدة تقف اليوم أمام مرحلة اختبار حقيقية: بين الحفاظ على دورها كإطار جامع للمجتمع الدولي، أو التراجع التدريجي أمام تحولات النظام العالمي المتسارع، ما يجعل مستقبلها مفتوحًا على أكثر من احتمال.

ويبقى السؤال مطروحًا بإلحاح: هل ما نراه اليوم هو تراجع مؤقت في الفاعلية، أم بداية مرحلة جديدة في تاريخ الأمم المتحدة؟

الأكثر قراءة

z