خسارة أوربان.. الأسباب والتداعيات

 

 

 

د. فاتن فريد الدوسري **

 

مُنِيَ فيكتور أوربان رئيس وزراء المجر الذي حكم عبر حزبه "فيدس" لفترة ناهزت الـ15 عامًا، بهزيمة ساحقة في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 12 أبريل أمام بيتر مجيار زعيم حزب "تيسا" المصنف في يمين الوسط، وتعد هزيمة أوربان زلزالًا سياسيًا في دلالاته وتباعاته لا سيَّما قوة ومستقبل الشعبوية العالمية.

وتقف خلف هزيمة أوربان أسباب متعددة، لكن أهمها على الإطلاق التدهور الشديد في الاقتصاد وتبعية ذلك على صعيد تدهور الخدمات العامة والاجتماعية، واستشراء الفساد داخل المجر بصورة مُرعبة، فمُنذ اندلاع الحرب الأوكرانية في 2022، ارتفع معدل التضخم لمستويات قياسية تجاوزت الـ20% في أواخر 2025، مما دفع مئات الشباب المجريين لا سيَّما الكفاءات لترك البلاد، فضلًا عن التدهور الحاد في الخدمات لا سيَّما الطبية والتعليمية.

وما فاقم من الأمر سوءًا استشراء الفساد الواسع بين الطبقة الحاكمة وحزب أوربان الذي امتد إلى الهيمنة على بعض المفاصل الاقتصادية الرئيسة؛ ما جعل المجر تتصدر المؤشرات الدولية المتعلقة بالفساء وسوء الإدارة أسوة بالدولة الفاشلة الأكثر فسادًا في أفريقيا وأمريكا الجنوبية.

ومن الأسباب الأخرى المؤثرة لكنها لم تكن الحاسمة، وكانت مدعاة لأكبر نسبة مشاركة شعبية في تاريخ المجر، هو الدعم القوي من بودابست لروسيا في حربها ضد أوكرانيا كاستثناءٍ عن السرب الأوروبي، مما فاقم عُزلة المجر عن أوروبا، وتفشي السلطوية والقمع والتضييق على الحريات بصورة واسعة.

سقوط أوربان له عدة تداعيات مؤثرة تنطلق من المجر لتمتد إلى أوروبا ثم العالم، من أبرزها على الإطلاق، تداعي ما يسمى نموذج "الاستبدادية الانتخابية" والذي تفردت به المجر بوجه خاصة وانتقل نسبيًا إلى جوارها الشرقي لا سيَّما بولندا والتشيك، وهو نموذج يحصر الديمقراطية فقط في شقها الإجرائي وهو الصندوق الانتخابي لكنه يرفض ويقوِّض الشق القِيَمي الليبرالي للديمقراطية.

والحقيقة أن صعود الاستبدادية الانتخابية في شرق أوروبا وحالات مهمة مثل الهند؛ لم يأتِ من فراغ؛ بل بإرادة شعبية مطلقة إثر مخاوف هُوِيَّاتية، وسياسات نيوليبرالية مُتطرفة، ونخب فاسدة موالية للخارج، وجميعها قد انطبقت على المجر ورفعت أوربان للحكم. بيد أن تجربة أوربان قد برهنت للمجريين أن تحدي القيم الديمقراطية لا يُشكِّل تصحيحًا للمسار، والقضاء على النخب الفاسدة، والحفاظ على سيادة وهوية الدولة ومنع الهجرة.. وغيره؛ بل يُكرِّس لاستبدادٍ وفسادٍ مطلق يدفع ثمنه الشعب كله؛ فالمجر وفقًا لمؤشرات الديمقراطية العالمية تُصنَّف كدولة استبدادية أسوة بالدول الاستبدادية في العالم، وتُعد من الأعلى عالميًا على مستوى قمع المجتمع المدني وحبس الصحفيين والنشطاء والمعارضين.

وسقوط أوربان سيُزعزِع مصداقية وقوة الشعبوية في المجر والعالم؛ إذ إن أوربان أحد أكبر رموزها في العالم، والشعبوية في المجر لن تنهار مع رحيل أوربان؛ لأن بواعث استمرارها موجود وبقوة، لكنَّ الشعبويين في المجر أصبحوا مُجبرين على تجديد أفكارهم عبر طرح عملي للتنمية والازدهار والتخلي عن النظرة الاستعلائية والاستبداد، بدلًا من التركيز الكامل على معاداة النخب المخالفة، والحفاظ على الهوية والسيادة.

والشعبويون في العالم -وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب- بدأت مصداقيتهم تتراجع نسبيًا، ليس فقط لأن أفكارهم وخطاباتهم تتسم بعدم الواقعية؛ بل أيضًا لأنهم يخالفون تلك الأفكار مع طابع السياسة البراجماتى المُتغيِّر؛ فشعار ترامب الرئيس إنهاء الحروب الأبدية -على سبيل المثال- تم انتهاكه عبر التدخل في فنزويلا والحرب على إيران!

** كاتبة بحرينية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z