هل تجرؤ على الاختيار؟

 

 

ريتّا دار

darrita936@gmail.com

 

 

استيقظتُ على صوت إشعار. ليس واحدًا، بل سلسلة متتالية، كأنَّ هاتفي قرر أن يستيقظ قبلي!

"هل ترغبين بتجربة التحديث الجديد؟" تجاهلتُ الرسالة، كما أفعل عادةً مع أي سؤال يبدأ بـ"هل ترغبين". فتركيزي غالبًا على ما أحتاج، لا على ما أرغب.

بعد دقيقة، ظهر إشعار آخر: "تحديث: تحسين كفاءة الذاكرة وحذف الملفات غير المستخدمة".

ابتسمتُ. هاتفٌ أذكى، أسرع، وأقل امتلاءً بأشياء لا أحتاجها.

ضغطتُ: "موافق".

لم يحدث شيء، على الأقل ليس على الهاتف.

في الطريق إلى العمل، حاولتُ أن أتذكر موقفًا أزعجني بالأمس. لم أستطع. توقفتُ لحظة. كنت متأكدة أن هناك شيئًا، كلمةً أو نظرةً أو موقفًا، لكن كل شيء بدا خفيفًا، كأنه لم يحدث أصلًا.

"جيد.. ذاكرة أنظف"، قلتُ لنفسي.

عند وصولي، ظهر إشعار جديد: "تحديث: تقليل استهلاك الطاقة في الخلفية".

ضحكتُ. "حتى أنا أحتاج هذا"، وضغطتُ: "تثبيت".

في المكتب، بدأ أحدهم بالحديث، حديث طويل بلا هدف واضح. في العادة، كنت أستنزف طاقتي في المتابعة، في الرد، في الاهتمام الزائد.

لكن هذه المرة، استمعتُ قليلًا، ثم توقفت. تركتُ الحديث يمر، كما تمر الإشعارات غير المهمة. شعرتُ براحة غريبة، كأن شيئًا داخلي أصبح أخف.

بعد ساعة، إشعار آخر: "تحديث: تحسين سرعة الاستجابة".

"ممتاز"، قلتُ، وضغطتُ دون تفكير.

في اجتماع العمل، طُرح سؤال. في العادة، كنت أتردد، أفكر في كل احتمال، أراجع كل كلمة قبل أن أقولها. لكن هذه المرة، أجبتُ فورًا بوضوح وثقة.

نظرتْ إليَّ المديرة بإعجاب، أما أنا فكنت أنظر إلى نفسي بدهشة، وبدأتُ أشعر أن الأمر ليس مجرد هاتف.

في المساء، ظهر إشعار جديد: "تحديث: فلترة الإشعارات غير الضرورية".

ترددتُ قليلًا، ثم ضغطتُ: "موافق".

بعد دقائق، وصلني تنبيه رسالة من شخص أعرفه. فتحتُ لأقرأها، لكنها اختفت.

كأن الرسالة صُنّفت تلقائيًا ضمن "غير الضروري".

هنا بدأتُ أقلق.

نظرتُ إلى الهاتف، وهذه المرة كأنني أنظر إليه، وهو ينظر إليَّ.

ظهر الإشعار الأخير: "تم تطبيق التحديثات بنجاح".

ثم بعده مباشرة: "هل ترغبين بتثبيت الإعدادات الجديدة بشكل دائم؟".

توقفتُ.

لو ضغطتُ "نعم"، لن أقلق مجددًا. لن أرهق نفسي بالتفكير. لن أحتفظ بما لا أحتاجه. لن أتأثر كثيرًا.

نسخة أخف، وأهدأ، وأكثر كفاءة. لكن، هل سأكون أنا؟

كيف سأكون إن اختفت تلك التفاصيل التي أتعب منها؟

تلك الذكريات الصغيرة التي أتهرّب منها، اللحظات التي أقلق بسببها، والأفكار التي تزعجني قبل النوم.

هل كنت سأصبح أخف؟ أهدأ؟ أكثر راحة؟ أم أنني سأصبح أقلّ مني؟ لأننا، كبشر، رغم كل شيء، لسنا فقط ما نحب تذكّره، بل أيضًا ما نحاول نسيانه.

وضعتُ إصبعي على الشاشة. ترددتُ.

وفجأة، استيقظت.

الغرفة كما هي. الهاتف بجانبي. لا إشعارات.

فتحتُه بسرعة. كل شيء طبيعي.

ذاكرتي كما هي. أفكاري كما هي. وكل التفاصيل الصغيرة المزعجة ما زالت في مكانها.

تنفستُ ببطء. كان مجرد حلم.

لكن السؤال بقي هادئًا، وواضحًا أكثر من أي إشعار: لو لم يكن حلمًا، هل كنتُ سأضغط "تثبيت"؟ ولو كنتَ أنت مكاني، هل ستجرؤ على الاختيار؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z