«احثوا في وجوه المدَّاحين التراب»!

 

 

 

صبري الموجي

 

وردَ في المثل: «حُبُّك الشيءَ يُعمي ويُصِمّ»، وفيه تتضحُ خطورةُ العواطف والهوى عند الحُكم على الأشياء أو الأشخاص. لهذا وجدنا الشرع، وكذلك القضاء المدني، يرفضان أن يحكم قاضٍ في قضية يُتَّهَم فيها ابنُه أو أخوه، أمُّه أو أبوه، أو أيُّ فرد من ذوي رحمه الأقربين؛ حرصًا على العدالة، وإحقاقًا للحقِّ.

ولأنَّ الكاتبَ أحد المُعبّرين عن ضمير الأمة، ونبض الشارع؛ فلا بُدَّ أن يتجنبَ هو الآخر الهوى والعواطف؛ منعًا للزيغ وتفاديًا للشطط.

ومن باب حسن الظن، لو افترضنا أنَّ كثيرًا من الكتّاب -وقطعًا في هذا مبالغة- يحرصون على ذلك، فتأتي كتاباتُهم وآراؤهم مُتدثّرة بثوب الصدق، ومُلتحفة بإهاب الموضوعية، فإنّ آخرين -حرمنا الله منهم- حملوا المباخر، ونفخوا في أبواق النفاق والكذب، فزيّفوا الحقائق، وجمّلوا القبيح، أو قبّحوا الجميل، فأساؤوا لمجتمعهم أبلغ إساءة، وصنعوا بما يفعلون فراعين كُثرًا، مشوا في طريق الباطل لا يلوون على أحد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعًا، برغم أنّ فسادهم يتسع معه الخرقُ على الراقع.

وهنا أؤكد أنه ليس المقصودُ بالفراعين (الحكام)، بل أعني كلَّ مسؤول لم يَرعَ حقَّ الله فيمن خُوِّلت إليه رعايتُهم، سواء كان أبًا أو أُمًّا، وزيرًا أو غفيرًا، مديرَ عمل، أو رئيس هيئة، أو حتى حاكم دولة، وصدق رسولُنا الأعظم: (كلّكم راعٍ ومسؤول عن رعيته).

ولو تذرَّع هذا الفرعون بأنَّ هناك من أفتاه بما يفعل، وزيّن له الباطل، فدعونا نهمس في أذن ذلك المسؤول الغافل، ونسأله: أين أنت من الأثر «استفتِ قلبك وإن أفتوك»!

وعلى الجانبِ الآخر من هذه المعادلة الصعبة، نقول لحاملي المباخر: انفضوا أيديكم من رذيلة الكذب والنفاق والتضليل، الذي مارستموه بحرفيَّة مُنقطعةِ النظير؛ التماسًا لمآرب لكم، ولحاجة في أنفسكم، لا في نفس يعقوب، وتذكّروا قولَ ربكم: "مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" (ق: 18)، وقول نبيكم صلى الله عليه وسلم: (وهل يكبُّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم).

ربما يسأل سائل: ما الدافع لهذه المقدمة الطويلة؟

أقول: الدافع أنَّه لفتَ نظري أقلام تتلون كالحرباء، وناشطون سياسيون يترددون على الفضائيات، ويروجون الرأي ونقيضه، والشبهة وعكسها، إمّا نسيانًا لما روّجوه من قبل، أو استخفافًا بالمشاهِد، الذي لا مفرَّ يدفعه هذا العبث إلى عدم الثقة بأحد، صادقًا كان أو كاذبًا.

لهذا أهيب وأؤكد أنَّ الصحافةَ -التي سقط كثيرٌ من أربابها في غيابات جبِّ الكذب- مهنةُ توعيةٍ وإرشاد، إحياءُ وازع، وإيقاظُ ضمير، وليست مهنة محاماة، تدفع بعضًا من كتابنا -هداهم الله- للبحث في الرخص؛ لتبرير خطأ المسؤول، وتبرئة ساحته، علمًا بأنّه قد يكون مخطئًا، وغارقًا في الفساد للركب، وربما للحلقوم.

لا يعني كلامي اتهامَ أحدٍ من طرف خفي، أو التعريض ببرلماني أو كاتبٍ بعينه، وإنما يعني أن يتقبلَ المسؤول الرأي والرأي الآخر، وأن يسعد بالنقد، ويردّ عليه بالحجة والدليل، دون أن يلوذ بحاملي المباخر؛ ليخرجوه من قضيته، كخروج «الشعرة من العجين»!

وأُؤكد أنّ أصحاب الأقلام المأجورة، الذين لبسوا أرواب المحاماة دفاعًا عن المسؤول بحق أو باطل، يستحقون ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: "احثوا في وجوه المدّاحين التراب".

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z