أحمد مسلم سوحلي جعبوب
في أعماق الجبال الوعرة، حيث تختبئ الأسرار بين الصخور، وتهمس الرياح بأخبار لم تُدوَّن بعد، تواصل ظفار كتابة تاريخها النباتي بصمتٍ مهيب. هناك، في شِعب ظلومت بولاية رخيوت من سلسلة جبل القمر، وُلدت حكاية علمية تستحق أن تُروى، لا بوصفها خبرًا عابرًا، بل كشاهدٍ على أن الطبيعة ما زالت تخبئ ما يفوق التوقع.
في أواخر أغسطس من عام 2021، قاد الاكتشاف الأكاديمي الدكتور أحمد بن علي المشيخي إلى تسجيلٍ مبدئي لنباتٍ عصاري ضمن "الضجوع". لم يكن الأمر مجرد رصدٍ عابر، بل ملامسة أولى لنوعٍ لم يُدرج بعد ضمن السجل النباتي، في انتظار أن يُفصح العلم عن اسمه الكامل. تمر السنوات، لكن النبات لا يُنسى. ففي عام 2025، جاءت العودة إلى الموقع بدافعٍ علمي وشغفٍ لا يهدأ. كانت الرحلة ميدانية عبر منحدرات شاقة وجروف صخرية وعرة، لحوالي 14 كيلومترًا مشيًا على الأقدام، هدفها الوقوف على حقيقة هذا الكائن النباتي الغامض. غير أن المشهد لم يكن كما يُرجى، فقد عثرنا على النبات جافًا، وكأن الطبيعة تخفيه مرة أخرى أو تختبر صبرنا. ومع ذلك، لم يكن الجفاف نهاية الحكاية، بل بدايتها الحقيقية.
وبين تلك البقايا، رصدنا نموات حديثة، صغيرة لكنها حاملة للأمل. جمعنا بعناية نموَّتين، وتركنا عينات في الموقع الأصلي، لا كعينات فحسب، بل كأثرٍ علمي ينبغي حفظه، وذلك بمرافقة الخبير البيئي الأستاذ علي سالم عكعاك من هيئة البيئة. وتم اقتلاع عينتين فقط: واحدة لمراقبتها في مشتل هيئة البيئة في ظفار، وعينة أخرى معي، لا زلت أراقب نموها وأعتني بتربتها ضمن معمل خاص بحديقة المنزل للنباتات الوطنية النادرة.
وعليه، قمتُ بمقارنة ميدانية دقيقة مع الأنواع المعروفة محليًا، والتي جمعتها منذ سنوات بحديقتي، وتشمل كل أنواع ضجوع ظفار، ومراجعة الصفات المورفولوجية، خصوصًا خصائص الأزهار التي تُعد الفيصل في هذا الجنس؛ إذ أؤكد أن هذا النبات ينتمي إلى جنس Desmidorchis بلا شك، وأنه يُمثل اكتشافًا جديدًا في سلطنة عُمان، وإضافةً مهمة إلى سجلات النباتات الوطنية؛ بل إن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن الاحتمال الأكبر أنه تسجيل جديد على مستوى العالم ضمن هذا الجنس. ومن هذا المنطلق، قمتُ بترميزه بالرمز (sp)، في إشارةٍ علمية إلى تأكيد الجنس، مع اعتباره نوعًا جديدًا مؤكدًا ضمن هذا الجنس، على الأقل في سجلات النباتات الوطنية، ولا زلتُ بانتظار استكمال التوصيف العلمي والنشر الرسمي، بالتعاون مع المختصين من علماء النباتات في السلطنة.
وهنا، يقف العلم على عتبة الاكتشاف. إن استخدام الرمز (sp) ليس نقصًا، بل إعلان انتظار؛ انتظارٌ لخطوة قادمة، لتحليل أعمق، ولنشرٍ علمي يُثبت هذا الكيان في سجل الحياة. لكن المؤكد أن ما بين أيدينا ليس مجرد نبات، بل إضافة نوعية للتنوع الحيوي في السلطنة، ودليل حيّ على أن سلسلة جبال ظفار لا تزال أرضًا بكرًا للاكتشاف. وهذه القصة ليست عن نباتٍ فقط، بل عن شغفٍ لا ينطفئ، وعن أعينٍ ترى ما لا يُرى، وعن أرضٍ تمنح أسرارها لمن يصبر. ففي ظفار، لا تنتهي الحكايات، بل تبدأ من زهرة أطلق عليها الدكتور أحمد المشيخي (الزهرة الملكية)، وهو المكتشف الأول لهذا النوع الفريد.
الأسماء العامة لهذه الأنواع من العصاريات: (ضجع، الغلثى، ضرع الكلبة، ضرع كيبة، ضجعام)، والأسماء طبعًا تختلف من منطقة إلى أخرى. وتحظى نباتات الضجوع بشهرة واسعة في الطب الشعبي، خاصة في السلطنة، في علاج مرض السكر المزمن. ومع ذلك، فأغلبها نباتات مأكولة، وجنس هذه النباتات يستوطن الجزيرة العربية، ومنها عدة أنواع ذات الأزهار الصفراء والحمراء والبنية، ومنها ما يشوبه مزيج من الألوان في الزهور، ومنها حليبية الزهور، ومنها النادر على مستوى العالم التي تم تسجيلها في السلطنة، ومنها متقاطعة في التوثيق بين ظفار وأجزاء من جمهورية اليمن المحاذية لجنوب السلطنة، إلا أن الشكل العام لبعض هذه الأنواع متشابه إلى حد كبير، لا يفرق بينها إلا العلماء والباحثون المتمكنون في علم النباتات.




