صاحب السمو السيد/ نمير بن سالم آل سعيد
الغالبية من الناس يعتقدون أن الأمور تسير على ما يُرام في حياتهم بوتيرة من الاستقرار والانسجام المعيشي المنتظم، وأن ما يواجهونه أحيانًا من مشكلات وصعوبات هي من الأمور العادية العابرة التي يمكن التعامل معها، واحتواؤها وتجاوزها، ولا تترك أثرًا كبيرًا في مسار حياتهم، إلى أن تنزل عليهم بلوى على هيئة مصيبة -لا قدر الله- تُغيِّر حياتهم تغييرًا جذريًا، لم يحسبوا لها حسابًا، وكأن على أعينهم غشاوة عمَّا يمكن أن يحدث فجأة في هذه الحياة، ولا أحد بمنأى عن ذلك؛ فالدنيا هشة متغيرة، متبدلة الأحوال، وقد يحدث أي شيء في أي وقت، وأي مكان، دون سابق إنذار.
وقد تكون جالسًا في أمان الله لا تشكو بأسًا ولا تتوقع سوءًا، فيأتيك خبر عن مرض خطير تم تشخيصك به بعد إجراء فحوصات روتينية عادية، أو كنت تقود سيارتك كعادتك ذاهبًا إلى وجهتك، فتتعرض لحادث سير أليم، يُفقدك الإحساس بقدميك أو أطرافك، أو يباغتك نبأ موت عزيز مقرب لديك، أو خسارة أموال كثيرة أو ممتلكات ثمينة، أو أي حوادث أخرى تُبتلى بها تُضرك الضرر الكبير.
قال تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" (البقرة: 155).
وإذا حدث ذلك فاصبر مستبشرًا، فالعاقبة خير، وكما أمرنا الله: "وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ" (النحل: 127).
والصبر يُعتبر خضوعًا لأمر الله ورضًا ضمنيًا بقضائه، وقبولًا بأقداره، وتسليمًا لأحكامه، ولكننا بشر، ومعظم البشر لا يمكن أن تصيبهم مصيبة من العيار الثقيل وتطلب منهم أن يصبروا عليها على الفور، راضين متقبلين لها، وكأن شيئًا لم يكن؛ فالبعض لا يتحمل الشدائد ولا يعرف كيف يواجه تأثيراتها ويتعامل مع ضغوطها، وقد يسقط صريعًا جراء هول المصيبة ووطأتها عليه، أو يترك العنان لمشاعره أن تتحكم به فتعصف به إلى اليأس والاكتئاب والانطواء الذاتي، إلى أن يصبح أسيرًا لاضطرابه الداخلي وخلله النفسي، هذا إذا لم يمتلك الوعي الكافي ويقينًا بالله في كيفية التعامل مع ما لحق به من بلاء.
ولذا فلنترفق بأنفسنا إذا نزل أمر الله بنا، كما قال تعالى: [ولنبلونكم بشيء] نافذًا متحققًا فينا بإرادته الحكيمة سبحانه جل وعلا، وذلك من أجل بلوغ مرحلة تقبل الواقع والتسليم به تسليمًا تامًا، لنتمكن حينها أن نقول لله برضا وقناعة: "سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" (البقرة: 285).
وللوصول إلى تلك المرحلة بأمان وسلام، لا بد أن ننجح بعبور مراحل صعبة قبلها، وأن نمنح كل مرحلة وقتها دون أن نمكث فيها طويلًا. والوعي بهذه المراحل واتباع إرشادات تجاوزها يُمكننا من التعافي النفسي من وقع المصيبة رغم شدتها، والعودة ثانية إلى الاندماج في الحياة والمواصلة في خضمها.
وأول ما يواجهه المرء بعد وقوع المصيبة هو الصدمة الشخصية، ذلك الشعور الذي يزلزل كيانه ويهز وجدانه، ويشعر حينها وكأن الأرض تميد به ثم تتوقف، عازلةً إياه عن العالم للحظات.
الحدث آنذاك يكون أكبر من أن يستوعبه عقله، فيختلط الذهول بعدم التصديق، ويبدو الواقع أمامه سرياليًا متموجًا، ويحاول إقناع نفسه بأنه لا بد أنه يحلم، وأنه سرعان ما سيستيقظ من حلمه ليعود إلى حالته الطبيعية.
لكن بعد فترة وجيزة من الصدمة والإنكار، يفيق المرء على نفسه بالرضوخ للواقع، وبأن ما حصل قد حصل، لا مفر منه. ولكن حين تعجز النفس عن الفهم واستيعاب هذا الواقع الجديد، تلجأ للتساؤل: لماذا أنا؟ ولماذا حدث هذا؟ وما السبب؟ وما المعنى؟ وما المراد؟ فلا خجل من هذه التساؤلات في هذه المرحلة المرتبكة، ولا يجب الشعور بالذنب لمجرد إثارتها ذاتيًا.
وحين لا تجد النفس الإجابة تثور وتغضب، وهذه مرحلة أخرى ضرورية لإخراج شحنة الغضب العالقة في داخل النفس، ويكون هذا تعبيرًا عن الألم والإحباط والعجز، فلا ينبغي كبت هذا الشعور وقمعه، ولا مانع من السماح له ليظهر كما هو على سجيته، من أجل أن يتبدد مغادرًا تدريجيًا، لتهدأ النفس وتستكين قليلًا بعد حين؛ فيُفسح المجال للحزن ليخيم على النفس بعد خفوت الغضب، ولا بأس بالبكاء بعيدًا عن أعين الناس، حدادًا على ما تم فقده وخسارته، طاقة من المشاعر الكسيرة لا بد من إفراغها، ليأخذ الحزن وقته على مهل لينجلي، إلى أن نبلغ مرحلة القبول والتسليم التام لمشيئة الله جل وعلا، بروح راضية قانعة متقبلة لواقع جديد يفرض شروطه وأحكامه، بحال أقل جودة وأضعف تكوينًا وأكثر تحديًا، نصبر عليه إذعانًا لأمر الله المطاع: [وبشر الصابرين].
