هند الحمدانية
"قصبة عُمان، ليس على بحر الصين بلدٌ أجلُ منها، عامرٌ، آهلٌ، حسنٌ، طيب"، هكذا وصفها الرحالة شمس الدين المقدسي، شهادة رجل رأى المدن وقاسها بعين الجغرافي الخبير، ثم توقف عند صحار طويلًا، ومنذ ذلك الوصف، أصبحت صحار معيارًا تُقاس به المدن، ومرفأ تُوزن به الحكايات، وبوابةً دخل منها التاريخ إلى عُمان، ودخلت منها عُمان إلى العالم.
لهذا لا يجوز أن نتحدث عن صحار كما لو أنها مدينة عادية تطلب بعض الرصف وبعض الطلاء وبعض المقاعد المتفرقة على كورنيش يعرفه الناس أكثر مما تعرفه الخطط الخمسية، هذه المدينة كانت في أزمنة طويلة بابًا بحريًا لعُمان، وموضعًا تتقاطع عنده الحكاية الاقتصادية بالحكاية الحضارية.
وإذا كان التاريخ أعطى صحار شرف البداية، فإن الاقتصاد منحها قوة الحاضر، فصحار تقف اليوم على قاعدة اقتصادية ثقيلة في المشهد العُماني الحديث؛ فالمنطقة الحرة في صحار تتمتع بنفاذ إقليمي وعالمي مهم؛ حيث صُنِّفت عالميًا ضمن أفضل 3 مناطق حرة، بينما يواصل ميناء صحار والمنطقة الحرة مكانتهما كأحد أهم أعمدة التنويع الاقتصادي في سلطنة عُمان. وتشير البيانات الحديثة إلى نمو كبير في المناولة والحركة والاستثمارات ومساهمات مباشرة في الناتج المحلي وفرص العمل والنشاط التجاري، والموقع الجغرافي الاستراتيجي والتنوع الطبيعي الذي يجمع بين البحر والجبل والوادي. وهنا تتجلى المفارقة القاسية: مدينة بهذا الوزن الصناعي واللوجستي لا تزال سياحيًا دون مستواها، وكأن المال يمر بها ولا ينعكس عليها.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: ماذا فعلنا بصحار؟ ماذا فعلنا بمدينة تملك البحر والتاريخ والموقع والقلعة والكورنيش والاقتصاد؟ كيف تحوَّل هذا الرصيد الكبير إلى مشهد سياحي محدود الأدوات، قليل الجرأة، متواضع الخيال؟ كورنيش صحار، على رمزيته العاطفية والحضرية، ما زال في نظر كثيرين أقل بكثير من مكانته الممكنة؛ فالواجهات البحرية في المُدن الحية لا تُترك لتقادُم الوقت، تُصمَّم لتكون مسرحًا يوميًا للحياة: ممشيات واسعة، مسارات دراجات، مساحات عروض، منصات موسمية، مطاعم نوعية، أعمال فنية عامة، أسواق نهاية الأسبوع، وبرنامج فعاليات يُغيِّر علاقة الناس بالمكان، أما حين يبقى الكورنيش رهينًا لمناقصات التجميل الطفيف، فإنَّ المشكلة لا تكون في الرصيف الضيق وحده؛ بل تكمن في فلسفة التخطيط كلها.
ما تحتاجه صحار اليوم ليس المزيد من الخدمات بقدر ما تحتاج إلى جودة هذه الخدمات وتفرُّدها؛ فالقضية لم تعد في الكم، بل في نوع التجربة التي تُقدَّم للمواطن والزائر. وأخطر ما يمكن أن تقع فيه أي مدينة طموحة هو الاكتفاء بتقديم خدمات عادية، أو دون مستوى التوقعات، وكأن سقف الطموح ما زال عند بدايات تجاوزَها العالَم منذ زمن، لماذا ننشئ مرافق تشبه غيرها، ولا تتفوق عليها؟ ولماذا يُقبَل بأن تُقدَّم خدمات لا تحترم ذائقة المواطن ولا تطلعات السائح؟
ولعل المفارقة الأعمق تكمن في سلوك نعيشه دون أن نلتفت إليه كثيرًا، فحين يبحث بعض سعادة المسؤولين عن تجربة سياحية مميزة لعائلاتهم، فإن وجهتهم غالبًا ما تكون إلى مدن العالم المتقدمة (لندن وباريس وميونخ وفينيسيا)؛ حيث الجودة العالية والتنظيم المُتقن، والتجربة المتكاملة التي تُحترم فيها ذائقة الإنسان، وهذا بحد ذاته اعتراف ضمني بالمعيار الحقيقي الذي ينبغي أن تُقاس به المدن، لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح: لماذا لا يصبح هذا المعيار نفسه هو ما نطبقه هنا؟ ولماذا لا يبني المسؤولين مدننا بالمستوى الذي يرونه هم بأنفسهم أنه الأجدر بزيارة عوائلهم؟
اليوم لم تعد المعايير كما كانت قبل عقود، لم يعد الفرد يُقارِن بما هو موجود حوله فقط، بل بما يراه في العالم كله، ولذلك فإن تقديم خدمات بسيطة أو تقليدية لم يعد كافيًا، بل قد يكون عائقًا أمام أي مشروع نهضوي حقيقي.
إن المدن المحترمة لا تبدأ من الصفر كل مرة، إنها تبدأ من حيث انتهى الآخرون، تنظر إلى التجارب الدولية وتتعلم من منطقها. خذ مدينة بلباو في شمال إسبانيا، مثلًا: مدينة صناعية عُرِفَت كيف تُعيد صورتها عبر مشروع ثقافي كبير ارتبط بمتحف غوغنهايم بلباو، حتى صار "أثر بلباو" مثالًا على قدرة الاستثمار الثقافي والمعماري على تنشيط الاقتصاد الحضري واستعادة ثقة السائح. ووفق دراسات منشورة عن أثر المتحف، فقد استعاد المشروع كلفته خلال سنواته الأولى، وحقق أثرًا اقتصاديًا واسعًا إقليميًا. الهدف هنا ليس أن نبني نسخة من غوغنهايم على شاطئ صحار، بل أن نفهم أن المشروع الثقافي النوعي ليس زينة أو فُرجة، بل رافعة اقتصادية داعمة ومعززة للمدينة وأهلها.
وفي نفس السياق، انظر إلى سنغافورة في منطقة "مارينا باي"؛ حيث لم تكن القيمة في شاطئ البحر وحده، بل في كيفية تحويل الواجهة البحرية إلى تجربة مكتملة من الفعاليات والفنون والإضاءة والأنشطة العامة والمتاجر الفاخرة وميزات معمارية فريدة، كما أشارت هيئة إعادة التطوير العمراني في سنغافورة إلى أن برمجة الفضاءات العامة عبر أحداث كبرى مثل عروض الضوء والاحتفالات السنوية كانت جزءًا مقصودًا من تعريف "مارينا باي" كوجهة عالمية نابضة بالحياة.
وإذا أردنا مثالًا قريبًا من المزاج الخليجي؛ فالقرية العالمية في دبي تقدم تجربة مميزة من خلال المزج بين التسوق والترفيه والثقافات والعروض والمطاعم في وجهة موسمية كبرى جعلها تستقطب أعدادًا ضخمة من الزوار، وقد أعلنت مؤخرًا اختتام أحد مواسمها بأكثر من 10.5 مليون زائر. المغزى ليس أن تستنسخ صحار هذا النموذج بحذافيره، بل أن تؤمن بأن الوجهة المتكاملة تخلق تدفقًا بشريًا واقتصاديًا مستمرًا، والأسواق المصممة بذكاء تتحول لتجربة حية ومحرك سياحي فعال.
لذلك، فإن صحار لا تحتاج إلى مؤتمرات كثيرة عن السياحة بقدر ما تحتاج إلى قرارات شجاعة في صناعة السياحة، تحتاج إلى مسرح حقيقي عملاق يليق بمدينة لها ثقلها، تحتاج إلى مجمع ثقافي فني يستضيف المهرجانات الإقليمية والعالمية، ويحتضن المسرحيات الموسمية والموسيقى والمعارض والكتاب والفنون البصرية، وتحتاج إلى إعادة تصور كورنيشها بوصفه الواجهة الأولى للمدينة؛ حيث إنه لم يعد من الملائم أن تستمر المباني الحكومية الخدمية كمكتب الوالي أو المدارس وغيرها، في احتلال واجهة الكورنيش؛ فهذه المساحات ينبغي أن تُعاد للمدينة وأن تُحرَّر لصالح الناس، وأن تُوظَّف وتُستثمَر في توسيع الكورنيش وتحويله إلى فضاء مفتوح.. ممشى طويل يربط البحر بالحياة، مع هوية تصميمية راقية، وأكشاك مُنتقاة لا عشوائية، وبرنامج أسبوعي للعروض والأسواق والموسيقى والأنشطة العائلية، إضافة إلى ربط المواقع الطبيعية الأخرى بمسارات احترافية كعين صهبان والوديان المتنوعة وغيرها، وتعزيزها بالطرق المسهلة (سهولة الوصول) ولوحات الإرشاد، وبالأنشطة والمغامرات، ومنتجات الضيافة المحلية، والمرافق العامة النوعية.
كما أن صحار مؤهلة لتطوير نموذج سياحي خاص بها، يُمكِّنها أن تبني "هوية بحرية تاريخية" متفردة، من خلال متحف تفاعلي للملاحة العُمانية، ومسار يحكي صلتها بالتجارة والنحاس والبحر ودخول الإسلام، ومهرجان سنوي دولي للبحر والثقافة، وواجهة بحرية تحتضن عروض مسائية، وموسم شتوي يجمع الرياضة البحرية بالفنون والطعام والكتب والطفولة. ويمكن أيضًا التفكير في منطقة نوعية للتسوق والترفيه المستدام، أشبه بقرية عالمية ذات هوية عُمانية خليجية، تستقطب الزائر من داخل السلطنة وخارجها. قرية عالمية نوعية وليس استهلاكية مُكرَّرة، تحتوي على محال عالمية ومنتجات من مختلف دول العالم، تليق بذائقة الزائر والسائح وتقدم له تجربة سياحية مميزة. ومن المؤسف أن تبقى بعض المتنزهات، التي تُفعَّل لموسم قصير خلال مهرجان صحار، مُغلقة بقية العام؛ إذ يمكن إعادة توظيفها خلال أشهر الشتاء -الممتدة لستة أشهر تقريبًا- لتتحول إلى قرية عالمية متكاملة تستقطب الزوار، وتخلق حركة سياحية واقتصادية مستمرة بدلًا من فعالية مؤقتة ومحدودة الأثر.
عزيزي المسؤول.. إنَّ صحار لا ينقصها الاسم ولا المجد ولا الموقع، بل ينقصها القرار، وصاحب القرار، والخيال الإداري الذي يعرف ويستوعب جيدًا كيف يدير مدينة بعظمة صحار بعقلية الاستحقاق، والاستحقاق هنا واضح: مدينة كانت ذات يوم من أبرز مرافئ عُمان، ولا تزال اليوم من أعمدة اقتصادها، تستحق أن تكون أيضًا من أجمل وجوهها وأكثرها حياة وازدهارًا.
لأنها صحار.. لا يجوز أن تُعامل إلّا كمدينة تمثل قلب الوجدان التنموي، لأن فيها من التاريخ ما يكفي ليوقظ الكبرياء، ومن الاقتصاد ما يكفي ليدعم الاستثمارات، ومن شواطئ البحر ما يكفي لصناعة الجمال والسياحة، ومن أهل صحار الأوفياء ما يكفي لصناعة الحياة، ولأنها صحار فإن أقل ما يليق بها ألا نبدأ من الصفر، بل من السقف العالي الذي بلغته المدن التي احترمت نفسها وأهلها أولا، فاحترمها العالم.
