الصمود الإيراني النسبي وحرب "الأسقف اللدنة"

 

د. محمد جعفر **

اتسمت العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، خصوصًا عملية "Epic Fury"، بديناميكية سريعة في تغيير الأهداف المعلنة؛ حيث انتقلت من سقف سياسي مرتفع جدًا إلى أهداف عملياتية محددة مرتبطة بالاقتصاد والملاحة، وذلك نتيجة تعقيدات الميدان وصمود بعض مفاصل النظام الإيراني.

ويمكن إجمال التسلسل الزمني للتغير في الأهداف منذ فبراير 2026 وحتى إعلان الهدنة في الثامن من أبريل، وفقًا للآتي:

  1. مرحلة "تغيير النظام" (28 فبراير - الأسبوع الأول من مارس)
    مع انطلاق الضربة الأولى في 28 فبراير، دعا الرئيس ترامب الشعب الإيراني صراحة إلى "استعادة بلدهم". وكان الهدف وقتئذ هو استغلال الصدمة العسكرية والارتباك الناتج عن مقتل قيادات عليا (بمن فيهم المرشد الأعلى في الموجة الأولى) لإحداث انهيار داخلي وتغيير شامل في بنية النظام، بل حاولت الإدارة الأمريكية نقل كمية كبيرة من الأسلحة إلى المحتجين داخل إيران لدعم التغيير من الداخل؛ فقد أقر الرئيس الأمريكي في مقابلة مع شبكة Fox News  أن "عملية نقل الأسلحة تمت عبر وسطاء أكراد، ومع ذلك لم تحقق العملية هدفها بالكامل"، مشيرًا إلى "أن الأكراد احتفظوا بتلك الأسلحة لأنفسهم"، وهو الأمر الذي استاءت منه دوائر صنع واتخاذ القرار الأمريكي، ووُصفت هذه التصريحات بأنها "كشف عن عملية استخباراتية سرية"، كما اعتبرت إيران هذه التصريحات دليلًا قاطعًا على أن الاحتجاجات الداخلية كان مخططًا لها ومدفوعة ومدعومة من الخارج.

وعلى الرغم من حجم الدمار (أكثر من 3000 هدف في أسبوع)، لم ينهَر النظام بالكامل، بل أدت الضربات إلى حالة من الالتفاف القومي المؤقت وزيادة العمليات الانتقامية الإيرانية ضد القواعد الأمريكية ودول المنطقة وإسرائيل، مما جعل "تغيير النظام" هدفًا مكلفًا وغير مضمون النتائج على المدى القريب، واضطرت معه الإدارة الأمريكية إلى إعلان هدف مرن جديد أكثر واقعية ومريح عملياتيًّا.

  1. مرحلة "تجريد القدرات" (منتصف مارس)

انتقل الخطاب الأمريكي عبر نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو نحو هدف أكثر واقعية عسكريًا، وهو ما يمكن أن نسميه "التحييد الاستراتيجي"؛ حيث ركزت الضربات في هذه المرحلة على:

  • تفكيك البرنامج النووي عبر استهداف منشآت أصفهان ونطنز لضمان عدم وصول طهران إلى "الردع النووي".
  • تدمير السلاح الجوي والبحري عبر إعلان واشنطن تدمير معظم الأسطول البحري التقليدي الإيراني لتحجيم قدرتها على تهديد الملاحة.
  • تحطيم الصواريخ الباليستية عبر استهداف منصات الإطلاق ومخازن الصواريخ وأماكن تصنيعها لتقليل الهجمات من جانب إيران.
  1. مرحلة "فتح مضيق هرمز" (أواخر مارس - أبريل 2026)
    تدحرجت الأهداف مع ضغط الوقت على الإدارة الأمريكية لإعلان "نصرٍ ما" وحصد جملة من الأهداف التي يمكن إعلان تحقيقها؛ إذ إن الوقت ليس في صالح "المعتدي"، لا سيَّما إذا كانت الحرب فاقدة للشرعية الدولية والقانونية، فضلًا عن فقدان حالة الإجماع الوطني الأمريكي على ضرورتها. أقول: تدحرجت الأهداف إلى فتح مضيق هرمز وتخفيف الضغوط الاقتصادية على ميزانيات دول العالم مع تأثر سلاسل الإمداد العالمية؛ لذا أصبح "تأمين الملاحة" هو الهدف الأسمى والعلني الجديد.

فقد قدمت الإدارة الأمريكية خطة الـ15 بندًا، التي تتضمن وقف إطلاق نار مقابل شروط قاسية، على رأسها فتح المضيق فورًا.

  1. التهديد بالبنية التحتية

تحول بنك الأهداف من المواقع العسكرية إلى "الأهداف المدنية الاستراتيجية"، إذ انتهجت واشنطن التهديد عبر اتباع "سياسة الإنذارات" بأنه في حال عدم فتح المضيق (بحلول موعد نهائي كان آخره 6 أبريل)، سيتم تدمير:

● محطات توليد الكهرباء.

● مصافي النفط وآبار الطاقة.

● منشآت تحلية المياه.

بل تمادى ترامب في التصريح "بمحو الحضارة الإيرانية بالكامل" في موقف لافت لاقى إدانات دولية وأممية وداخلية متعددة.

في الأخير، يمكن القول إن الإدارة الأمريكية انتقلت من أهداف كبرى إلى أهداف عملياتية لا يوجد معيار دقيق لقياس نجاحها "النسبي"، وبالتالي سهولة إعلان تنفيذها وتصوير ذلك على أنه "نصر مطلق"؛ فقد انتقلت أمريكا من استراتيجية "قطع الرأس" (Regime Change)، التي فشلت في تحقيق حسم سياسي سريع، إلى استراتيجية "الإنهاك الشامل" (Degradation)، ثم أخيرًا إلى "المقايضة بالبقاء" (Transactionalism)؛ كنهج نفعي يمكن الوصول من خلاله إلى صفقة للبقاء "Survival Bargain" لكلا الطرفين:

● أمريكا تبقى في الخليج مع ضمان تفوق إسرائيل شرق أوسطيًا.
● النظام الإيراني يبقى بشروط قاسية؛ حيث يتم الضغط على ما تبقى منه لفتح المضيق وتقديم تنازلات نووية مقابل التوقف عن تدمير ما تبقى من بنية تحتية حيوية تعيش عليها الدولة.

هذا النهج المبني على تغيير دائم ومستمر في الأهداف أعطى واشنطن أريحية في إعلان تحقيق أهدافها العسكرية و"تجريد إيران من قوتها" وفقًا لبيانات "وزارة الحرب" الأمريكية (Department of War) والقيادة المركزية (CENTCOM)؛ حيث استهدفت العملية أكثر من 13,000 هدف داخل إيران، وفتح المضيق وانتظام سلاسل الإمداد العالمية والتمهيد للتفاوض عبر باكستان ومصر وتركيا، وهي تدرك تمامًا أن الإيرانيين لن يعطوا بالمفاوضات ما لم يعطوه تحت القصف؛ مما ينبئ بتجدد موجات أعنف من القتال تحت ذرائع ومبررات لن تعدم أمريكا وإسرائيل من اختراعها؛ ليظل التوتر في الشرق الأوسط والعالم مرهونًا بأزمات داخلية أمريكية-إسرائيلية أو مدفوعًا بتحقيق نبوءات توراتية، على حساب سلام المنطقة وأمنها ورفاه شعوبها.

 

** كاتب وباحث

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z