د. عبدالناصر سلم حامد
في لحظةٍ بدت أقرب إلى حافة الانفجار، جاء إعلان وقف إطلاق نارٍ مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران ليمنح انطباعاً أولياً بأن الأزمة تتجه نحو التهدئة. لكن عند التمعّن، يبدو أن ما حدث ليس نهايةً لمسار التصعيد، بل توقفٌ محسوب عند نقطةٍ لم يعد بالإمكان تجاوزها دون كلفةٍ أكبر. فالهدنة، التي تمتد لأسبوعين وتسمح بمرور الشحن عبر مضيق هرمز—شريان الطاقة العالمي—لا تعكس اختراقاً سياسياً حقيقياً، بقدر ما تعكس محاولةً واضحة لتجنّب الأسوأ.
لم يأتِ هذا التطور فجأة؛ فقد سبقته سلسلة من الضربات الجوية والصاروخية داخل إيران، نُفذت بشكلٍ تدريجي وبإيقاعٍ مدروس. لم تكن هذه العمليات عشوائية، بل أقرب إلى ضغطٍ عسكري محسوب هدفه تعديل شروط التفاوض أكثر من تحقيق نصرٍ مباشر. وحتى من دون أرقام دقيقة، فإن نمط الضربات—من حيث تكرارها وتنوع أهدافها—يوحي بأن التصعيد كان مضبوطاً، لا مفتوحاً بالكامل.
توقيت الهدنة بدوره يلفت الانتباه؛ إذ جاءت في لحظةٍ بدا فيها أن التصعيد يقترب من نقطةٍ يصعب التحكم بها، في وقتٍ لا يملك فيه أيٌّ من الطرفين رفاهية الدخول في حربٍ طويلة. من هنا، يمكن فهم التهدئة بوصفها خياراً اضطرارياً أكثر من كونها خطوةً نحو تسوية حقيقية.
لكن ما يجري فعلياً ليس مجرد خفضٍ للتصعيد بالمعنى التقليدي؛ فالصراع لم يتراجع بقدر ما تغيّر شكله. يمكن القول إنه جرى ضبطه عند مستوى يمكن التحكم به، دون أن تختفي أسبابه أو تتراجع حدته. بمعنى آخر، نحن أمام إدارةٍ للأزمة لا حلٍّ لها، وتجميدٍ مؤقتٍ للصراع لا إنهاءً له.
المشكلة الحقيقية هنا لا تتعلق فقط بإمكانية خرق الهدنة، بل بطبيعتها منذ البداية؛ فهي لم تقم على فهمٍ مشترك، بقدر ما قامت على قراءتين مختلفتين لها. فواشنطن تتحدث عن فتحٍ كامل لمضيق هرمز وضمان حرية الملاحة، بينما تتعامل طهران مع الوضع وكأنها ما تزال تملك القدرة على فرض شروطها في هذا الممر الحيوي. وبين هذين التصورين، تبدو الهدنة أقرب إلى ترتيبٍ مؤقتٍ منها إلى اتفاقٍ مستقر.
ولا يمكن فصل ذلك عن طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين الطرفين؛ فالولايات المتحدة تبدو معنيةً أكثر باحتواء التصعيد ومنع تأثيره على الاقتصاد العالمي، بينما تستخدم إيران التصعيد كوسيلة لإعادة رسم قواعد الاشتباك. هذا الاختلاف في المقاربة يجعل من الصعب الحديث عن أرضيةٍ مشتركة حقيقية.
في هذا السياق، يبدو الحديث عن “تقدمٍ كبير” نحو اتفاقٍ نهائي أقرب إلى خطابٍ سياسي منه إلى واقعٍ ملموس. فالقضايا الأساسية—من البرنامج النووي إلى الترتيبات الأمنية في الخليج—ما تزال قائمة، بل إن الخلاف يمتد إلى تفاصيل الهدنة نفسها، وما إذا كانت تشمل ساحاتٍ أخرى في المنطقة.
وعند الوصول إلى مضيق هرمز، تتضح الصورة بشكلٍ أكبر. فالمضيق ليس مجرد ممرٍ بحري، بل عنصرٌ أساسي في معادلة الاقتصاد العالمي. فمرور نحو 20% من إمدادات النفط عبره—أي ما بين 17 و20 مليون برميل يومياً—يجعل أي اضطرابٍ فيه قادراً على التأثير فوراً في الأسواق. وفي مثل هذه الحالات، يكفي ارتفاعٌ محدود في الأسعار ليترك أثراً مباشراً على التضخم وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يجعل التوتر هناك يتجاوز طبيعته الإقليمية بسرعة.
في الواقع، يمكن القول إن هرمز تحوّل إلى أداة تفاوض بحد ذاته؛ فمجرد التلويح بتقييد الملاحة يكفي لنقل كلفة الصراع إلى الاقتصاد العالمي. وهنا، لا يعود الصراع محصوراً بين طرفين، بل يمتد أثره إلى النظام الدولي ككل.
ومع ذلك، لا يبدو أن أيّ طرفٍ قادر على حسم هذا الصراع؛ فكل طرف يمتلك القدرة على الإضرار بالآخر، لكن دون القدرة على فرض نهاية واضحة. وهذا ما يخلق حالةً من التوازن الهش—أو ما يمكن وصفه بردعٍ غير مكتمل—حيث تُمنع الحرب الشاملة، لكن دون أن يُفتح باب السلام.
ويزداد هذا التعقيد مع تشابك ساحات الصراع في المنطقة؛ فالتوتر لا يقتصر على جبهةٍ واحدة، بل يمتد عبر مساراتٍ متعددة، ما يجعل أي تهدئة عرضةً للتأثر بعوامل خارجية. وهذا يعني أن استقرار الهدنة لا يعتمد فقط على واشنطن وطهران، بل على شبكةٍ أوسع من التفاعلات.
كما أن الاعتماد على وساطات إقليمية للحفاظ على التهدئة يعكس بدوره هشاشة الوضع؛ فالاتفاق الذي يحتاج منذ بدايته إلى دعمٍ خارجي مستمر، لا يمكن اعتباره مستقراً بعد.
الأخطر من ذلك أن انهيار الهدنة قد لا يأتي نتيجة قرارٍ سياسي مباشر، بل بسبب حادثٍ محدود: احتكاك بحري، ضربة غير محسوبة، أو حتى سوء تقدير. في مثل هذه الحالات، لا يحتاج التصعيد إلى قرار، بل إلى خطأ.
ولا يقل الجانب الإعلامي أهمية؛ فكل طرف يحاول تقديم الهدنة كإنجاز، حتى وإن كانت في جوهرها مجرد إعادة تموضع. وهذا يعكس صراعاً موازياً على السردية، لا يقل أهميةً عن الصراع على الأرض.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمدى صمود هذه الهدنة، بل بمن يستفيد منها فعلياً. ففي ظاهرها، تبدو كنجاحٍ دبلوماسي يمنع الانفجار، لكنها عملياً تعيد توزيع الوقت لا أكثر. فالولايات المتحدة تتجنب ضغطاً اقتصادياً أكبر، بينما تحصل إيران على فرصةٍ لإعادة ترتيب أوراقها دون تقديم تنازلاتٍ جوهرية. وبين هذا وذاك، لا تختفي الحرب، بل تتأجل.
في المحصلة، لا يبدو أن هذه الهدنة تمثل بداية سلام، بقدر ما تعكس مرحلةً جديدة من الصراع—مرحلة أقل صخباً، لكنها أكثر تعقيداً. فالحرب لم تعد خياراً سهلاً، لكن السلام لم يصبح خياراً جاهزاً بعد. وربما تكمن خطورة هذه المرحلة تحديداً في أنها تبدو هادئة، بينما تخفي تحتها قدراً كبيراً من التوتر القابل للانفجار في أي لحظة. فهذه الهدنة لا تُنهي الصراع، بل تعيد ترتيبه؛ ولا تفتح طريقاً واضحاً نحو السلام، بل تؤجل مواجهة أسئلته الأساسية. وبين التهدئة المؤقتة والتصعيد المؤجل، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالاتٍ متعددة، أقلها استقراراً وأكثرها تعقيداً، في ظل صراعٍ لم تُحسم قواعده بعد، ولم تنضج شروط إنهائه.
