دول الخليج.. الاعتماد على الذات أولًا

 

 

 

علي بن سهيل المعشني (أبو زايد)

 

تشهد المنطقة والعالم تحولات استراتيجية عميقة، حيث لم تعد التحالفات التقليدية أو الاتفاقيات الأمنية القديمة كافية لضمان الاستقرار والسيادة. فالتغيرات الجيوسياسية المتسارعة، واشتداد المنافسة الدولية على الموارد والتكنولوجيا، تفرض على دول الخليج العربي إعادة صياغة أولوياتها الاستراتيجية وفق مبدأ واضح: الاعتماد على الذات أولًا.

لقد أثبتت التجارب الحديثة أن الأمن الحقيقي لا يُستورد، بل يُبنى داخليًا عبر منظومة متكاملة من القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء حلف دفاعي خليجي مشترك قادر على حماية مصالح المنطقة وحدودها، مع توحيد الجهود العسكرية وتطوير منظومات الدفاع والتخطيط الاستراتيجي بصورة جماعية. إن وحدة التحديات التي تواجه دول الخليج تستدعي وحدة في الرؤية الدفاعية والقدرة على الردع.

وفي هذا الإطار، يصبح توطين الصناعات الحربية أولوية استراتيجية لكل دولة خليجية. فالدول التي لا تمتلك صناعتها الدفاعية بنفسها تبقى رهينة لقرارات الموردين وتقلبات السياسة الدولية. وبناء قاعدة صناعية عسكرية محلية- سواء في مجال الطائرات المسيرة، والصواريخ  وأنظمة الدفاع الجوي، والتقنيات البحرية، أو الذخائر المتقدمة- يمثل خطوة أساسية نحو تحقيق الاستقلال العسكري وتعزيز الاقتصاد في آنٍ واحد.

ولا يقل الأمن الغذائي والمائي أهمية عن الأمن العسكري؛ فقد كشفت الأزمات العالمية المتلاحقة هشاشة سلاسل الإمداد الدولية، ما يجعل تحقيق الاكتفاء الذاتي هدفًا استراتيجيًا لدول الخليج. ويتطلب ذلك تطوير منظومة متكاملة لإيجاد موارد مائية مستدامة عبر بناء السدود، واستثمار المياه الجوفية، وتوسيع تقنيات تحلية المياه وإعادة استخدامها، لأن الماء هو الأساس الذي تقوم عليه الزراعة والاستقرار السكاني.

ومن هذا المنطلق، يمكن تعزيز التكامل الخليجي في مجال الأمن الغذائي، بحيث تستثمر الدول التي تفتقر إلى الأراضي الزراعية أو الموارد المائية في الدول الخليجية التي تمتلك مقومات الزراعة من أرض ومياه. فالتكامل في استثمار الموارد داخل المنظومة الخليجية يخلق شبكة أمن غذائي مشتركة ويقلل الاعتماد على الأسواق الخارجية المتقلبة. كما أثبتت التجربة أن اتفاقيات الحماية التقليدية التي استنزفت مليارات الدولارات لم تحقق النتائج المرجوة. لذلك فإن المرحلة المقبلة تقتضي إعادة توجيه هذه الموارد نحو شراء التكنولوجيا المتقدمة وتوطينها داخل دول الخليج، بحيث تتحول المنطقة من سوق مستهلكة للتقنيات إلى مركز منتج لها.

ومن هنا تأتي أهمية بناء قاعدة تكنولوجية صناعية متقدمة ترتكز على البحث العلمي، والصناعات الدقيقة، والتقنيات الرقمية. ويُعد مجال الذكاء الاصطناعي أحد أهم محركات التحول الاقتصادي والعسكري في العالم اليوم، ما يفرض على دول الخليج الاستثمار المكثف في هذا المجال لضمان موقع متقدم في الاقتصاد العالمي القادم.

وفي موازاة ذلك، ينبغي إطلاق منظومة متكاملة لدعم الابتكار والاختراع عبر رصد مكافآت مالية مجزية للمبتكرين، وتوفير حماية قانونية قوية لبراءات الاختراع، وتشجيع الاستثمار في الأفكار الجديدة. فالأمم التي تحترم المبدعين وتدعمهم هي التي تصنع مستقبلها بيدها.

إن دول الخليج تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتحقيق هذا التحول التاريخي: الثروة المالية، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والطاقات البشرية الشابة. ويبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذه الإمكانات إلى مشروع حضاري متكامل يقوم على السيادة التقنية والاقتصادية والدفاعية والغذائية؛ فالاعتماد على الذات لم يعد خيارًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية في عالم لا يحترم إلّا الدول القادرة على حماية مصالحها وصناعة مستقبلها بيدها.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z