"رسوم هرمز".. حق لتأمين عبور السفن

 

 

 

حمد الناصري

 

لا تزال سلطنة عُمان قائمة على سيادتها كدولة مستقرة في أقصى جنوب شرق الجزيرة العربية، ولا تزال تتميز بتراثها وحضارتها العريقة، وما يزال لها تأثيرها الذي يقوم على مبدأ الحياد والتعايش، فهي تسعى من خلال رؤية "عُمان 2040" إلى تطوير سوق العمل وتنويع مصادر الدخل.

وتلعب دور الرشيد الحكيم في صناعة السلام، كما أنها وسيط محايد في النزاعات الإقليمية والدولية. هذه الحيادية تقتضي تغليب المصلحة العليا لحماية البيت الخليجي، لتنأى به عن المخاطر والأزمات والصراعات الدولية؛ فهي تتحرك عند كل نزاع أو خلاف إقليمي بمسؤولية لا يعقلها إلا ذو لب واعٍ، مدرك لأهمية المصير الواحد.

في هذه الحرب المجنونة، وفي ظل التصعيد العسكري بين إيران وأمريكا وحليفتها إسرائيل، صُدم العرب المتصهينون، وفاجأت إيران عدوّها أمريكا وإسرائيل بقدرتها على استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة التي وُضعت لحماية أمن الخليج العربي، وفوجئ القوم أنّ إيران أقوى مما كان يُتوقع في عقلية نتنياهو وترامب والمتصهينين معًا. والصّدمة الأكبر التي خلقت حالة من الارتباك، هي فعالية الردع الإيراني وقدرتها على توسيع رقعة الحرب إلى ما لا نهاية. وحتى يفيق الغافلون من غفوتهم الترفيهية، كان خصمهم -كما يشيعون- والذي أعدّوه عدوًا، يتسلّح بكل قوة، رغم العقوبات والضرر الذي لحق به منذ عقود من السنين. وفي هذه الحرب المجنونة بامتياز، تُعلن إيران أنّ عهد المجّان قد ولّى وانتهى، وجاء العهد المكين وإثبات الحق البحري الأكيد، وأنه لن تعبر سفينة بعد اليوم بالمجان في مضيق هرمز.

دهش الأعراب، واستنفر الغرباء الذين حملوا أجندات السيطرة والاستعمار الجديد على خليجنا العربي، فوقفت إيران ضد هذا المشروع الحالم، كما بدأت حماس بإجهاض المشروع نفسه للقدس الشريف. وتساءل الأعراب: لماذا تستأثر به -المضيق- إيران لوحدها؟ قال البعض: المضيق البحري واقع في أرض عربية. وجاء كثير منهم بخطاب السلطان قابوس -طيب الله ثراه- عن حماية المضيق، في خطاب العيد الوطني التاسع: "إنّ أمن مضيق هرمز جزء لا يتجزأ من سيادة عُمان"، مشددًا على التزام السلطنة بحماية الملاحة الدولية، ومعارضتها الشديدة لأي قواعد أجنبية أو تدخلات خارجية في المنطقة، معتبرًا إياه "ممرًا دوليًا يجب أن يبقى آمنًا".

وقال آخرون إنّ خطاب السلطان الراحل قابوس -طيب الله ثراه- قد مضى عليه 46 عامًا أو أكثر، وسلطنة عُمان ذات سيادة على المضيق، وكأنهم يلمزون بقولهم: لماذا تتخلى الآن عن سيادة المضيق لصالح إيران؟

ومن حكمة أهل عُمان ونباهتهم الأريبة أنهم لا يتقاطعون مع مسافة، لانت أو اختلفت؛ فمصير الخط يعود إلى المسافة ولا يتقاطع معها أبدًا. فالعُمانيون منذ قديم على تَثبّت وخلق كريم، ومَنقبة لم يصل إليها عظيم غيرهم، وكان دأبهم محلّ نظر وتمحيص؛ يأخذون الأمور على بصيرة ورؤية متقنة لا على العلّة. ومن رسالة الإمام نور الدين السالمي للقنصل البريطاني عام 1331هـ/ 1913م نقتطف منها: "ولا تظنّ دولتكم أنّ أهل عُمان قوم أغبياء، جهلاء أعراب، لا يعرفون قانونًا ولا يحسنون عبارة؛ فإنهم قومٌ أذكياء، حلبوا الدهر شطره، وذاقوا حلوه ومره، وعرفوا دواعي الرقي والعمران، وسياسات الدول وغوائلها".

ولا ريب، فتلك خصال حميدة، عاشها العُمانيون وبقوا على حبّها: سلام وأمان ووئام، وصفت بـ"عُمان الحكمة".

والحقيقة أنّ السلطان قابوس -طيب الله ثراه- لم يركّز على أمن المضيق وحده وحسب، بل عارض بشدّة التدخلات الأجنبية ووجود القواعد العسكرية الغربية، وأكد على وحدة دول الخليج العربي، وتبنّى سياسة الاعتدال؛ سياسة قائمة على الحياد الإيجابي وتصفير المشكلات العربية، وحل الخلافات والنزاعات عبر الحوار. لكن الذباب الإلكتروني لم يأتِ بها، بل غفلها عن قصد وترصّد. وما جاء به السلطان الراحل -طيب الله ثراه- هو ما كان ينقص وحدتنا: أن نكفّ أنفسنا عن المهاترات، وننأى بأنفسنا بالترفّع عنها؛ فمن شِيَمنا المواقف الثابتة التي كُتبت بأحرف من نور الإسلام، والجنوح إلى السّلم من أجل الاستقرار. ذلك القول الحصيف منذ سنين يؤكده السلطان الأريب هيثم بن طارق المعظم -أعزه الله. ونحن على نهجه سائرون بعزم وثبات وعزة وكرامة ويقين.

عُمان درست مبدأ الصدمة منذ عقود، ولو بدأنا بها جميعًا في وحدة متكاملة منزوعة الحقد والحسد والنقص المعيب والانتقاص المشين، وكنّا من ذلك اليوم قد قلنا كلمتنا التاريخية، منذ 2002، وأنشأنا جيشًا باسم الجزيرة العربية بكل قوامه وعدّته، وبما يتساوى أو يتقارب مع من نظنهم يومًا أنهم سيعتدون علينا، لكان اليوم المشهد مختلفًا، ولكننا ذهبنا إلى مناقشة ما اختلفنا عليه، مثلما حدث في مسرحية "الهمجي" سنة 1985، التي كشفت لنا التناقضات التي يعيشها "آدم" بطل المسرحية!

والسؤال: لماذا نبرر للغرباء شيطنتهم؟ ولماذا ندعو إخواننا التاريخيين لأن يبتعدوا عن استهدافنا وضرب مواقعنا الحساسة، طالما نحن من دعا الشيطان إلى حجورنا؟ لذلك السبب، نحن نتعرّض للابتزاز المالي من جهة الغرباء؛ إذن نحن مضطرون لدفع فاتورة حرب ليست حربنا؟ ثمّ، لماذا نقف ضد جارنا التاريخي، الجيوسياسي اقتصاديًا واجتماعيًا؟ هل لأنه بدأ الحرب علينا، أم لأنه توصّل إلى تفاهم واتفاقية قُبيل الحرب؟ لكن الذي يبحث عن سبب للحرب على جارنا التاريخي لم يجد فرصة غير هذه الاستباقية: شنّ حرب على بلد مستقل السيادة، لم يؤذنا، لم يحاربنا، فحاربناه بصمتنا، بتدخل الغرباء، بأن يضرب ويقتل كبيرهم وصغيرهم، ويهدم بناءهم ومدارسهم وقوتهم، التي كان يمكن أن نستغلها لوقفة اعتزاز وشموخ في وجه العدو الأزلي الصهيوني. أليس في إيماننا ما نسترشد به تاريخيًا وعقائديًا؟ من الذي جاء ليصنع لنا شرق أوسط غبيًا؟ من جاء ليستعمرنا في أرضنا، وليثبت للتاريخ أنه يُعيد نفسه بطريقة مختلفة؟ إنه استعمار واحتلال بقوى متعددة وأقطاب أخرى في منظومة عُرِّفت بشرق أوسط جديد. إنه مشروع صهيوني استيطاني، رونقه إقامة نظام جديد ظاهرًا، وفي باطنه شر كبير: تطهير عرقنا العربي والإسلامي.

اليوم نرى أنّ قواعد اللعبة قد تغيّرت وتبدّلت معطياتها، وفرضت سياقات سياسية جديدة، وطرحت تصورات ومقترحات جديدة. والسؤال هو السؤال، لكن الطريقة مختلفة: إلى متى نستمر نحرس غيرنا في مياهنا دون مقابل مادي؟!

إنّ علاقتنا مع الجار الإيراني حتمية، وعلينا أن نقف معًا من أجل أن نحمي مصالحنا القومية، طالما هناك من يتخلى عنا ولا يقبل قولنا، وينسف خططنا ومشاريعنا، ويؤخر تقدمنا، ويكون عقبة في مسار تطورنا.

إنني، من وجهة نظري، أرى أنه حان الوقت لأن تتوافق حكومتنا مع الجارة التي تتقاسم معنا سيادة المضيق من الجانب المقابل؛ بل وأرى أنه من الواجب أن تجد سلطنة عُمان مدخلًا أو وسيلة فيها منافع لها، والتغلب على كثير من التحديات التي لم ينفعنا أحد بها. والله تعالى قد سخّر لنا هذا المضيق، فلماذا لا نحوّله إلى عطاء مستمر وفائدة تعود علينا بمنافع كبيرة؟ لماذا نؤمّن للسفن كل ما يضمن عبورها الآمن عبر المضيق، دون مقابل مادي؟ أليس من الواجب أن يُستفاد منها تعويضًا عن أمن ومراقبة السفن وسلامة العبور؟ وطالما لم يراعِ أحد حقّنا ومصالحنا، فإنه قد حان الوقت للشروع في ضمان أمن المضيق وأحقية فرض رسوم لعبور السفن بأمان.

خلاصة القول: إنني، كمواطن عُماني، أقول: أؤيد المقترح الإيراني، فكما يُقال: للضرورة أحكام، وفي هذه التحديات ضرورة ماسّة لخلق منافع ومقاصد متبادلة بين الدولتين، يضمن لنا علاقة الجوار التاريخي من خلال عمق مسار بحري متجاور وشائك، والمسافات البحرية بيننا متقاربة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z