ريتّا دار
"يُجوز للمحكمة إصدار حكم الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين المدانين بجرائم مصنفة إرهابية، باعتباره العقوبة الأصلية، ويُقرّ صدوره بأغلبية القضاة لا إجماعهم، وتنفيذه خلال 90 يوما، دون فتح باب الاستئناف أو التخفيف أو العفو، مع إبقاء المحكوم عليه في عزلٍ كامل، ومنح القائمين على التنفيذ حصانة قانونية".
هكذا ببساطة. سطور قانونية نظيفة، مرتبة، خالية من الانفعال.. كما يجب أن تكون القوانين.
لا دماء هنا، لا صراخ، لا وجوه، ولا حتى اسم واحد.
مجرد نص.
لا شيء تغيّر.. وهذا ما يدعو للقلق.
الأخبار كعادتها، تمرّ علينا مرور الكرام. عنوان هنا، تحليل هناك، وخبير يتحدث بنبرة هادئة كأنه يشرح نشرة الطقس. ثم نكمل يومنا.. نشرب القهوة، نرد على الرسائل، ونؤجل القلق إلى إشعار آخر.
لكن أحيانًا، يمر خبر.. لا يشبه غيره. خبر لا يرفع صوته، ولا يصرخ، ولا يطلب انتباهك. بل يجلس بهدوء.. كضيف ثقيل، وينتظر أن تفهمه.
ضيف يقول بأناقة شديدة: يمكن أن يصبح الموت.. قانونًا.
لو فكرت بالأمر قليلًا، ستكتشف أننا كبشر تطورنا كثيرًا.
في السابق، كان القتل يحدث بشكل فوضوي، بدائي، غير منظم. صرخات، دماء، ارتباك.. مشهد غير حضاري إطلاقًا.
اليوم؟ لدينا قانون.
مواد، بنود، صياغة دقيقة، وربما توقيع في الأسفل.
كل شيء مرتب.. لدرجة أنك قد لا تتورط عاطفيا فيما يحدث. لأنه بطريقة ما يبدو أقل قسوة.
أخيرًا، أصبح الموت يعمل ضمن نظام.
القانون- كما تعلم- وُجد ليحمي الإنسان. وهذه جملة جميلة جدًا، تُقال كثيرًا، لدرجة أنك قد تبدأ بتصديقها أحيانًا.
لكن يبدو أن هناك تحديثًا بسيطًا لم يُعلن عنه رسميًا: القانون يمكنه أيضًا.. أن يحدد الطريقة المناسبة لإنهاء هذا الإنسان. ليس لأنه ارتكب جريمة مؤكدة بالضرورة، بل لأن هناك احتمالًا.. أو تصنيفًا.. أو تعريفًا مرنًا لماهية "العدو".
وهذه أمور تقنية، لا داعي لأن نقلق بشأنها.
أجمل ما في الموضوع.. هو اللغة.
لا أحد يقول "قتل". هذا لفظ فجّ، بدائي، ويفتقر للذوق القانوني.
نستخدم كلمات أرقى: تنفيذ.. إجراء.. قرار.. إطار قانوني.
الكلمات- كما ترى- تهذّب الواقع. تجعله أكثر قابلية للهضم.
من الأسهل بكثير أن تقرأ عن "تنفيذ حكم"، من أن تتخيل إنسانًا.. يموت.
لو قيل لك إن إنسانًا قد يُقتل في لحظة فوضى، لقلت: هذه هي الحروب.
ولو قيل لك إن العدالة قد تخطئ، لقلت: يحدث.
لكن أن يُكتب الأمر بهدوء.. أن يُصاغ في بنود.. أن يتحول إلى نص قانوني قابل للتنفيذ.. فهنا، يتغير شيء ما في المعادلة.
ليس في الحدث نفسه.. بل في طريقته.
القوانين، في تعريفها البسيط، وُجدت لتنظيم الحياة. لتقليل الفوضى، لا لمنحها شرعية أنيقة.
لكن أحيانًا، يبدو أن الإنسان لا يكتفي بارتكاب القسوة.. بل يحتاج أن يبررها.. ثم ينظمها.. ثم يطبعها في كتيّب صغير، ويضع لها رقم مادة.
ربما لأن الفعل، حين يصبح قانونًا، يفقد إحساسه بالذنب.
الأمر لا يتعلق بالسياسة كما نحب أن نقنع أنفسنا. ولا يحتاج إلى تحليل مطوّل أو خريطة جغرافية.
الأمر أبسط.. وأثقل. يتعلق بسؤال واحد: متى يصبح الإنسان.. أقل من إنسان؟
ليس في الواقع فقط.. بل على الورق أيضًا.
المشكلة أن مثل هذه الأخبار لا تصدمنا كما يجب. نقرأها، نرفع حاجبا، نهز رؤوسنا، وربما نكتب تعليقًا غاضبًا- إنْ كنا في مزاج جيد- ثم نتابع حياتنا.
لأننا- ببساطة- تعودنا.
تعودنا أن نسمع عن أشياء كان يجب أن توقف العالم.. فلم تفعل. وتعودنا أن نرى الخطوط الحمراء.. تتحول إلى درجات لونية أفتح.
في مكان ما، هناك من سيقرأ هذا القانون.. ليس كخبر. بل كاحتمال شخصي. كخيار مطروح على الطاولة. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. لأن أخطر ما في القسوة.. ليس وقوعها. بل أن تصبح ممكنة. ثم مقبولة. ثم مبررة. ثم.. عادية.
قد يقول لك أحدهم: "هذه أمور معقدة.. لا تفهمها ببساطة." وهذا صحيح.
كل شيء يصبح معقدًا.. عندما نحاول أن نشرح ما لا يُفترض أن يحدث أصلًا.
في النهاية، لا تحتاج أن تكون خبيرًا في القانون، ولا محللًا سياسيًا، ولا حتى متابعًا دقيقًا للأخبار.. لتشعر أن هناك شيئًا ما.. ليس في مكانه الصحيح.
شعور بسيط.. ثقيل.. تعرف أنه حقيقي.. لكن لا تستطيع أن تضع له اسمًا دقيقًا.
ربما المشكلة ليست في العالم فقط.. بل في قدرتنا المتزايدة على التعايش مع أشياء، كان من المفترض أن تظل غير قابلة للتعايش.
وربما، في مكان ما.. لا يزال هناك إنسان يرفض أن يرى الموت.. وقد صار مادة قانونية مشرعة.
وأعتقد أن هذا- وحده- يستحق بعض الاحترام.
التاريخ- لمن يملك رفاهية قراءته- يخبرنا بشيء بسيط: كل شيء يبدأ استثناءً. ثم يصبح خيارًا. ثم يصبح سياسة. ثم.. يصبح عاديًا.
ربما لا نستطيع تغيير العالم، ولا إيقاف ما يجري، ولا حتى فهم كل التفاصيل كما يجب.
لكن هناك شيئًا بسيطًا.. يمكننا فعله. أن نحتفظ بشعور الرفض.
