أحمد بن محمد العامري
لا يبدو أن التوصل إلى وقف إطلاق نار وفق شروط إيرانية جاء خارج سياق توقعاتنا، رغم حدّة الخطاب التي طبعت المواقف الأمريكية، ولا سيما تصريحات الرئيس ترامب؛ فالتراجع النسبي في وتيرة التصعيد من قِبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني -ولو بشكل مؤقت ولمدة محدودة- يعكس إدراكًا لكلفة الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود السيطرة وتحمل تداعيات إقليمية ودولية معقّدة.
هذه الهدنة، وإنْ بدت خطوة نحو التهدئة، تظل في جوهرها استراحة تكتيكية أكثر من كونها تحولًا استراتيجيًا في مسار الصراع؛ حيث يمنح هذا التراجع المؤقَّت إيران فرصةً لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أوراقها سياسيًا وعسكريًا؛ استعدادًا لأي مرحلة مقبلة. غير أن طبيعة هذا الصراع القائم على انعدام الثقة، تفرض حذرًا بالغًا في قراءة هذه التطورات وبكل تأكيد إيران مُدركة لذلك.
التجارب السابقة تؤكد أن الهدوء في مثل هذه السياقات ومع هذا النوع من الأعداء غالبًا ما يكون هشًا وقابلًا للانهيار في أي لحظة، خاصةً في ظل وجود الكيان الصهيوني الذي لا يرى في التهدئة مصلحة له.
وفي هذا الإطار، تبرُز احتمالية تقويض هذا الاتفاق من قبل الكيان الصهيوني كعامل لا يمكن تجاهله؛ إذ دأب هذا الكيان -في أكثر من محطة- على إفشال مسارات التهدئة عندما تتعارض مع حساباته الأمنية أو السياسية؛ سواء عبر التصعيد المباشر أو عبر التأثير على مواقف حلفائه. ومن هنا، فإن أي اتفاق لا يحظى بقبول فعلي من جميع الأطراف الفاعلة يبقى عرضة للانهيار مهما بدا متماسكًا في ظاهره.
في المقابل، تكتسب الجهود الدبلوماسية الإقليمية أهمية متزايدة في ظل تعقيد المشهد، وهنا يبرز الدور الباكستاني كتحركٍ يستحق التقدير لما يعكسه من سعي لاحتواء التوتر وتجنب مزيد من التصعيد. غير أن هذه الجهود على أهميتها تصطدم بتحديات كبيرة، أبرزها تعدد الأطراف المؤثرة وتباين أجنداتها، ما يجعل تحقيق اختراق حقيقي مهمة شاقة.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور العُماني الذي أثبت في أكثر من مناسبة قدرته على بناء جسور الثقة وفتح قنوات حوار بين أطراف متنازعة. فقد نجحت الوساطة العُمانية في مراحل سابقة في تقريب وجهات النظر، وكادت أن تفضي إلى حلول ملموسة لولا إجهاض الكيان الصهيوني تلك المساعي في اللحظات الأخيرة. هذا السجل الدبلوماسي يمنح عُمان مصداقية عالية ويؤكد أن الحلول السلمية ليست مستحيلة؛ بل تحتاج إلى بيئة سياسية تسمح لها بالنضوج والاستمرار.
إنَّ ما يميز التجربة العُمانية هو اعتمادها على نهج هادئ ومتوازن، بعيدًا عن الضغوط الإعلامية والاستقطابات الحادة، وهو ما مكّنها من تحقيق تقدم؛ حيث فشلت أطراف أخرى. غير أن نجاح أي وساطة مهما كانت كفاءتها، يظل مرهونًا بمدى استعداد الأطراف المعنية لتقديم تنازلات حقيقية، وهو ما لا يبدو متوفرًا بشكل كافٍ في المرحلة الراهنة.
وبناءً على ذلك، فإنَّ الهُدنة الحالية ينبغي النظر إليها كفرصة مؤقتة لخفض التوتر، لا كحل نهائي للصراع؛ فغياب معالجة جذرية للأسباب الأساسية للنزاع واستمرار حالة الشك المتبادل، يجعلان من الصعب الرهان على استقرار طويل الأمد. كما أن احتمال إفشال الاتفاق من قبل أطراف لا ترى فيه مصلحة استراتيجية، وعلى رأسها الكيان الصهيوني وبعض شركائهم في المنطقة، يبقى قائمًا بقوة.
في النهاية.. يتوقف مصير هذه الهدنة على توازن دقيق بين الإرادة السياسية والضغوط الميدانية، فإمَّا أن تُستثمَر هذه اللحظة لفتح مسار تفاوضي جاد يُبنى على ما تحقق من تهدئة، أو أن تتحول إلى مجرد هدنة عابرة تسبق جولة جديدة من التصعيد. وبين هذين الاحتمالين يبقى المشهد مفتوحًا على كل السيناريوهات، في منطقة اعتادت أن تقف دائمًا على حافة الانفجار.
