دربك خضر

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة عابرة؛ بل جرس إنذار أعاد طرح السؤال الأهم: كيف نُؤمِّن المستقبل الطاقي في عالم تتقاطع فيه الجغرافيا مع السياسة والاقتصاد؟ فعندما تصبح شرايين النفط مُهدَّدةً، لا يعود الرهان على زيادة الإنتاج وحده كافيًا؛ بل يتحول الاهتمام إلى تنويع المصادر وبناء بدائل أكثر استقرارًا.

وفي خضم هذا التحول، يبرز الهيدروجين الأخضر كخيار استراتيجي، لا بوصفه رفاهًا بيئيًا؛ بل كاستثمار في الأمن والاستدامة. وهنا تبرز سلطنة عُمان، التي اختارت أن تستبق التحولات بدل أن تُفاجأ بها.

"دربك خضر" دعاءٌ عُماني أصيل يعني التوفيق وتيسير الطريق، وهو اليوم يختصر رحلة وطن بدأ يفتح لنفسه مسارًا جديدًا في عالم الطاقة؛ مسارًا لا يقوم على النفط وحده، بل يمتد إلى الشمس والرياح والهيدروجين الأخضر، تنويعًا لمستقبل عُمان وأجيالها القادمة، واستجابة واعية لتحولات عالمية تتسارع بوتيرة غير مسبوقة.

ولفهم أهمية هذا التوجه، لا بد من تبسيط الفكرة العلمية للهيدروجين الأخضر؛ فالهيدروجين، رغم وفرته في الطبيعة، لا يوجد حرًا؛ بل مرتبط بعناصر أخرى، أبرزها الماء. ومن خلال عملية التحليل الكهربائي، يتم تمرير تيار كهربائي في الماء لفصل جزيئاته إلى هيدروجين وأكسجين. وإذا كانت هذه الكهرباء منتجة من مصادر متجددة كالشمس أو الرياح، فإن الهيدروجين الناتج يكون نظيفًا بالكامل، بلا انبعاثات كربونية. هذه العملية البسيطة في مبدئها تفتح بابًا واسعًا لاستخدامات متعددة، تجعل من الهيدروجين وقود المستقبل في القطاعات التي يصعب إزالة الكربون منها.

الهيدروجين الأخضر لا يقتصر على كونه وقودًا؛ بل يدخل في صناعات حيوية مثل إنتاج الأمونيا المستخدمة في الأسمدة، وصناعة الحديد والصلب دون الحاجة إلى الفحم، كما يُنظر إليه كوقود بديل للسفن والطائرات في المستقبل، كما أن أهميته تمتد إلى تخزين الطاقة؛ حيث يمكن تحويل فائض الكهرباء من الشمس والرياح إلى هيدروجين، ثم إعادة استخدامه عند الحاجة، وهو ما يعالج مشكلة تقلب إنتاج الطاقة المتجددة.

وفي هذا السياق، تتحرك عُمان بخطوات عملية ومدروسة عبر برنامج وطني تقوده "هيدروم"، يهدف إلى بناء صناعة متكاملة للهيدروجين الأخضر، وليس مجرد مشاريع منفردة. وتشير الخطط إلى استهداف إنتاج يقارب مليون طن سنويًا بحلول عام 2030، وهو رقم يعكس طموحًا مدروسًا، يسعى إلى وضع سلطنة عُمان ضمن كبار المنتجين عالميًا، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية.

وعلى أرض الواقع، بدأت هذه الرؤية تتجسد فعليًا، حيث دخلت بعض المشاريع مرحلة التنفيذ، وأبرزها مشروع الهيدروجين الأخضر في الدقم، الذي تجاوزت مرحلته الأولى نحو 50% من الإنجاز، مع توقع بدء التشغيل قبل نهاية عام 2026، على أن يبدأ الإنتاج التجاري في عام 2027.

ويُخطَّط لتصدير الإنتاج في شكل أمونيا خضراء عبر ميناء الدقم، المطل على بحر العرب، وهو ما يمنح عُمان ميزة استراتيجية كبرى؛ إذ تتجاوز بذلك اختناقات مضيق هرمز وتؤمّن منفذًا مستقلًا ومستقرًا للأسواق العالمية. كما تبرز صلالة كموقع داعم في منظومة التصدير المستقبلية.

ولا تقتصر أهمية هذا التوجه على التصدير فقط؛ بل تمتد إلى الداخل، حيث يُتوقع أن تسهم هذه المشاريع في خلق فرص عمل نوعية، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وتحفيز الصناعات المحلية، وفتح المجال أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة للدخول في سلاسل القيمة الجديدة. كما أنها تعزز استقرار الاقتصاد الوطني عبر تقليل الاعتماد على مصدر واحد للدخل، وتدعم التوجه نحو اقتصاد منخفض الكربون.

ورغم هذه الفرص الواعدة، لا يخلو الطريق من التحديات؛ فالهيدروجين الأخضر لا يزال أعلى تكلفة من الوقود التقليدي، ويتطلب استثمارات كبيرة في البنية الأساسية، إضافة إلى أن الطلب العالمي عليه لا يزال في طور التشكّل. لكن هذه التحديات ليست عائقًا بقدر ما هي فرصة للريادة، إذ إن الدخول المبكر في هذا المجال يمنح الدول موقعًا متقدمًا عندما تنضج الأسواق وتشتد المنافسة.

وما يحدث اليوم من اضطرابات في أسواق النفط لا يرفع الأسعار فقط، بل يسرّع التحول العالمي نحو بدائل أكثر استدامة. ومن يقرأ هذه اللحظة بوعي، كما فعلت عُمان، لا يراها أزمة عابرة، بل نقطة تحول تاريخية تفتح آفاقًا جديدة.

ولا يمكن للهيدروجين الأخضر أن يحل محل النفط بين ليلة وضحاها، لكنه يمثل طريقًا موازيًا يُبنى بهدوء وثبات ليحمل الاقتصاد في المستقبل. إنه استثمار في طاقة لا تُحاصر بالمضائق، ولا تُقيد بالأزمات، بل تنطلق من الطبيعة نفسها.

"دربك خضر"… مسارٌ اختارته عُمان بعقلٍ رشيد، لتجعل من الضوء والهواء ثروةً جديدة، ومن تنويع الموارد ضمانةً لمستقبلٍ أكثر استقرارًا وأمانًا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z