ريم الحامدية
ما الذي يفعله بنا هذا الوقت؟ أسأل نفسي وأنا أغرق في دوامة لا تهدأ أطرافها.
نغادر مكاتبنا وأجسادنا محمّلة بضجيج لا يهدأ، ندخل إلى بيوتنا ونحن نحمل بقايا الاجتماعات في حقائبنا، وقلق الإيميلات في ملامحنا، نبتسم وعقولنا شاردة في مهام معلّقة، ونجالس الأحبة بينما قلوبنا تلهف خلف قائمة مهام لا تتوقف، لتنتابني لحظة إدراك بأننا استبدلنا لذة العيش بضريبة التواجد المستمر، لندرك بأن المسافة الفاصلة بين ما نكونه لأنفسنا وما نكونه لإرضاء العالم قد ضاعت، فينتابني سؤال آخر: متى كانت آخر مرة تنفست فيها بعمق، دون أن تشعر بالذنب لأنك توقفت عن الركض؟
الحقيقة التي نتغافل عنها دائمًا هي أن أرواحنا كيان واحد لا يقبل القسمة؛ فلا يمكننا شطر أنفسنا إلى نصفين، نصف يرتدي قبعة العمل بصرامة، ونصف يرتدي ثياب البيت باسترخاء في وقت واحد. إن الجوهر البشري ليس جهازًا نفصله عن التيار في المكتب لنعيد وصله في المنزل؛ فإذا استنزفت طاقتك في قلق الإنتاجية وتوتر المواعيد صباحًا، فمن البديهي أن تعود إلى ملاذك منطفئًا، شاحب الروح، لا تملك من أمر قلبك شيئًا. إن الفوضى النفسية لا تعترف بالحدود الإدارية، وما نزرعه من ضغط هناك، نحصده حتمًا تعبًا هنا.
والطريف في هذا المشهد هو تلك البعثرة الذهنية التي نعيشها بتناقض عجيب. تجد أحدنا يقف بوقار وسط اجتماع رسمي غاية في الأهمية، بينما يهيم خياله بعيدًا في سؤال الوجود: ماذا سيكون عشاؤنا اليوم؟ وهل ما زال في الوقت متسع لتلك الالتزامات؟ وفي المقابل، نجد أنفسنا نرتقب سكون المساء بينما يغرق العقل في صياغة ردّ حاسم على بريد المدير المليء بالأعمال! إنها تفاصيلنا الصغيرة، المتعبة والجميلة في آن واحد، والتي تثبت أننا كائنات عاطفية مهما حاولنا تقمّص دور الروبوتات.
وهنا تكمن الزبدة والسر الذي يحفظ لنا بقاءنا: "هونها وتهون".
إن العالم، يا أصدقاء، لن يتوقف عن دورانه لو تأخرنا في إرسال تقرير عابر، والكون لن يختل توازنه لو آثرت الهدوء على صخب المنافسة. إن صحتك النفسية وهدوءك الداخلي هما الاستثمار الأصدق في هذا الجدول المزدحم بالركض خلف السراب.
تذكر دائمًا تلك الحكمة التي تهمس في أذن المتعبين: الشغل ما يخلص، بس العمر ينتهي ويخلص، فلماذا نحرق وقود أرواحنا في سبيل غايات ستُنسى بمجرد إنجازها؟
إن المسألة ليست في كمّ المهام التي أنجزتها، بل في كمّ الإنسان الذي تبقّى منك بعد إنجازها. نحن لا نحتاج إلى مزيد من الوقت، بل نحتاج إلى مزيد من الرأفة بأنفسنا المنهكة. ففي نهاية المطاف، ستمتلئ الأدراج بالأوراق، وستكتظ الشاشات بالبيانات، ويبقى السؤال المعلّق في فضاء أرواحنا: أين نحن من كل هذا الصخب؟ هل نسينا كيف نكون بخير من أجل أن نكون منتجين فقط؟ تخفّف من أثقالك، وتذكر أنك لست مُلزمًا بحمل الدنيا على عاتقك لتثبت جدارتك بالوجود؛ فالحياة، في أصلها، رحلة للعبور.. لا سباق للاستنزاف.
